آخر تحديث:14:24(بيروت)
الجمعة 07/09/2018
share

إسرائيل باللهجة العراقية

مهند الحاج علي | الجمعة 07/09/2018
شارك المقال :
  • 0

إسرائيل باللهجة العراقية

لم يكن تقرير "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية عن تحذير الولايات المتحدة إسرائيل من توجيه ضربات للعراق، خارجاً عن السياق العام، إذ أن هناك اهتماماً متصاعداً يُلحظ خلال الشهور الماضية. قبل التمعن بالتصعيد الكلامي الإسرائيلي الأخير ضد العراق والتحذير الأميركي اللاحق، شهدت الأوساط الاعلامية والسياسية الإسرائيلية حديثاً عن أهمية اليهود العراقيين في الصراع العربي-الإسرائيلي، ترافق مع ادعاءات عن رغبة الشيعة العراقيين في التحالف مع إسرائيل.

ولهذا النقاش الداخلي الإسرائيلي علاقة بمحاولة فهم الاحتجاجات الشيعية ضد الأحزاب الإسلامية الموالية لإيران، وتفسيرها بشكل عملي ومنطقي للإفادة منها. بيد أن إسرائيل، إضافة الى هويتها العنصرية، دولة عسكرية، ولا معنى فيها لأي كلام أو تحليل لا يحمل طابعاً تنفيذياً.

منذ تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أكثر من موضوع عن العراق. بداية، كتب الصحافي جاكي خوجي، وهو محرر الشؤون العربية بإذاعة الجيش الإسرائيلي، أن لدى الشيعة العراقيين تعاطفاً مع اسرائيل وتأييداً لها مصدره الدعم الفلسطيني للرئيس الراحل صدام حسين. وبحسب خوجي، فإن هؤلاء الشيعة يبحثون عن وسائل اتصال بإسرائيل، وشكلوا ما يُشبه "اللوبي الإسرائيلي" في بغداد لمواجهة "اللوبي الإيراني". ومن الضروري إذاً التواصل مع هذه الفئة بهدف التطبيع. نظراً الى فساد القوى الإسلامية الشيعية الموالية لإيران في العراق، يرصد الباحثون تحولاً لا دينياً ولا قومياً بالإمكان ملاحظته في الشباب المعارضين خصوصاً. بالنسبة للتحليل السطحي الإسرائيلي، فإن هذا التحول غير مكترث بالموروثات المرتبطة بالعداء للدولة العبرية. كما أن العداء للقوى الموالية لإيران يفترض تحالفاً طبيعياً مع ألد أعدائها المفترضين: إسرائيل.

والحقيقة أن هذا الافتراض لم يصح في سوريا سوى في حالات استثنائية لها علاقة بالتواصل الجغرافي مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان. لا بل كانت الحجج المقابلة والمعادية للممانعة في سوريا، ترسو على قاعدة نفاق النظام السوري وحلفائه الإيرانيين، إذ ينشطون في قمع وقتل شعوبهم، وتقتصر "مقاومتهم" على التصريحات وبعض حركات "رفع العتب". ربما يُفرّق العداء للإسلاميين بين الحالتين الاحتجاجية السورية والعراقية، لكن يبقى من الصعب تخيّل حالة تطبيع عراقية واسعة النطاق، بل قد تشي شعارات "بالروح بالدم نفديك يا صدام" في البصرة، باتجاه معاكس تماماً.

في الكلام التنفيذي، كتبت الصحافية غيليت عادوت في "معاريف" (وهي مملوكة لعائلة اسرائيلية من أصول عراقية)، عن أهمية اليهود العراقيين في الصراع مع العرب، نظراً لمعرفتهم الواسعة بالعربية والإسلام ودورهم في تأسيس فرقة المستعربين. طبعاً لم تذكر عادوت اليهود العراقيين المعادين للاحتلال الاسرائيلي، أو حتى أولئك الفخورين بتراثهم وعلاقتهم بالعراق. لكنها ركزت على دور بعض اليهود العراقيين في تفكيك المصطلحات المشفرة للتنظيمات الفلسطينية والجيوش العربية وأيضاً التنصت على اتصال شهير بين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والملك الأردني الراحل حسين.

هذا النقاش انتهى على الجانب العملي بتأسيس خلية اسرائيلية من اليهود العراقيين مهمتها التواصل مع الجانب العراقي. النتيجة الأولى كانت "إسرائيل باللهجة العراقية"، وهي صفحة على فيسبوك تأسست في الشطر الأول من هذا العام، وفيها عشرات الألوف من العراقيين. في التعريف، تتحدث الخارجية الاسرائيلية عن "أن هناك تاريخاً حافلاً يجمع اليهود ببلاد الرافدين بعدما عاشوا فيها أكثر من 2500 عامٍ"، وأن "المتحدرين من بلاد الرافدين لا يزالون يحملون ذكرياتهم ومساهماتهم في بناء العراق الحديث". طبعاً لا تخوض الصفحة في الصراع العربي الاسرائيلي، بل تعتمد الدبلوماسية الناعمة، وتُروّج للحياة في اسرائيل واسهامات اليهود العراقيين فيها وتعلقهم المتواصل بالعراق وثقافته. هذا المدخل الأول لأي حملة علاقات عامة. ورغم الاستخدامات الأمنية لهذه الصفحة (عشرات الألوف من المتابعين يُوفرون فرصاً للتجنيد والاستعلام)، يبقى الأثر الثقافي العام أكبر. والحقيقة أن الكثيرين من المثقفين العراقيين، كنظرائهم في المنطقة، يحنون إلى زمن التعايش، عندما كانت الأقليات اليهودية جزءاً أساسياً من المجتمع ولها اسهاماتها الثقافية والموسيقية والاقتصادية والاجتماعية أيضاً. وغني عن القول إن النتيجة محسومة مسبقاً في أي مقارنة بين ذاك الزمن، ملكياً كان أم استعمارياً، وبين هذه الحقبة التي تشارك في انتاج مستواها الثقافي المتدني، الإسلاميون بمختلف أطيافهم، والأنظمة الشمولية. هذا الحنين مفهوم ومبرر.

لكن أيضاً على الصعيد التنفيذي، يبدو أن هناك شعوراً إسرائيلياً بوجود تهديد صاروخي على الأراضي العراقية يتطلب تدخلاً. نتحدث هنا عن جنرالات في سدة القرار، لا يرون سوى العمليات العسكرية أساساً لمعالجة أي تهديد، على أن تأتي الديبلوماسية الناعمة لاحقاً وبشكل مكمل لأي عمل ميداني. تقصف اسرائيل أهدافاً ايرانية في العراق، كما لوح وزير الدفاع الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان قبل أكثر من أسبوع، ثم تستغل الاحتجاجات المتواصلة ضد الأحزاب الشيعية لتشكيل رأي عام معارض للإيرانيين. عندها، تُضاف الى قائمة التذمر من الإسلاميين، حُجّة تحويل الإيرانيين، العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات مع إسرائيل.

بالنسبة إلى هذا التفكير الاسرائيلي المبسّط، لا توجد أي خسائر من التجربة. مثلاً، لو إلتف العراقيون حول الفصائل الشيعية بعد الضربة الاسرائيلية، رفضاً للعدوان الاسرائيلي، بإمكان السياسي الاسرائيلي الادعاء أمام جمهوره بأن هذه هي الطبيعة العربية المعادية للسامية التي لن تتغير (والحقيقة أن مجرد التلميح الإسرائيلي، أنتج تواصلاً بين دمشق وبغداد حيال الإنذار المبكر للجانب العراقي).

لكن الرفض الأميركي لأي ضربة اسرائيلية جاء مفاجئاً: "اتركوا العراق لنا". ذاك أن الاستثمار الأميركي في العراق أكبر وأعمق وهناك نفوذ واسع النطاق أيضاً، يُنافس الايراني ويُعاكسه، وأحياناً كثيرة يتفق معه. كما يتجاوز الفهم الأميركي لهذا البلد والتخصص فيه، القدرات الاسرائيلية. ذاك أن معظم الشخصيات المحسوبة على إيران باستثناء بعض قادة الميليشيات، تزور السفارة الأميركية وتلتقي ديبلوماسييها، ولها أقارب ومصالح في دول غربية قريبة من واشنطن. وكل الأحاديث عن سيطرة كاملة لإيران على العراق، لا تتسم بالدقة المتناهية، سيما أن هناك شائعات كثيرة عن ارتباطات مزدوجة لا يُعرف لمصلحة من تصب في النهاية. يُضاف إلى ذلك، أن هناك حراكاً سياسياً معارضاً واسع النطاق، وتحديات متواصلة للنفوذ الإيراني في كل انتخابات واستحقاق سياسي.

المهم أن على الإسرائيليين، وفقاً للمنطق الأميركي، "أن يتركوا العراق" الى حين آخر، حتى لو تحدثوا "باللهجة العراقية".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني