آخر تحديث:12:18(بيروت)
الثلاثاء 07/08/2018
share

الدولة في الصحراء المقدسة

شادي لويس | الثلاثاء 07/08/2018
شارك المقال :
  • الدولة في الصحراء المقدسة
    تأسست نظام الرهبانية، بحثاً عن صورة أنقى للإيمان في مواجهة الكنيسة المتماهية مع السلطة (غيتي)
  • دير الأنبا بيشوي - وادي النطرون (غيتي)
    دير الأنبا بيشوي - وادي النطرون (غيتي)
  • دير القديس مكاريوس (غيتي)
    دير القديس مكاريوس (غيتي)
  • دير السرياني  - وادي النطرون (غيتي)
    دير السرياني - وادي النطرون (غيتي)
على بعد 120 كيلو متراً من القاهرة، وفي منتصف الطريق الواصل بينها وبين الإسكندرية، تبدأ صحراء "شهيت" المقدسة. الوادي الذي يقع على الأطراف الشمالية لصحراء مصر الغربية، له الكثير من دلالات القداسة. فالمنخفض الصحراوي الذي أطلق عليه الفراعنة "حقل الملح"، نسبةً إلى ملح النطرون الذي استخدموه في التحنيط، أُطلق عليه بالقبطية "ميزان القلوب"، فمن هناك كانت تبدأ الرحلة إلى العالم الآخر. آمنت الكنيسة المصرية بأن الأسرة المقدسة مرت من هناك، وباركت المكان. وبنهاية القرن الرابع الميلادي، أُطلق على وادي النطرون، اسم صحراء "الإسقيط"، أي "مكان النساك". فالقديس مقار الكبير، كان قد اختار البقعة المقدسة، ليؤسس رهبنة القلالي، أي الرهبنة النظامية في صورتها الأولى، قبل أن تنتقل إلى صعيد مصر، ومنه إلى العالم أجمع.

قبل أسبوعين، توجهت أنظار وسائل الإعلام إلى وادي النطرون، بعد الإعلان عن مقتل الأنبا إبيفانيوس، رئيس دير الأنبا مقار، في ديره. وفيما كانت النيابة العامة تستجوب أكثر من 400 من الرهبان والعمال المتواجدين في موقع الجريمة، كان المجمع المقدس للكنيسة القبطية قد أصدر 12 قراراً تخص نظام الرهبانية، وتستهدف إخضاعها لسلطة الكنيسة بالكامل. وكان أطرف تلك القرارات هو إمهال الرهبان شهراً واحداً لإغلاق حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

تداولت الصحف تقارير عن الجريمة، مشيرة إلى الصراع اللاهوتي والشخصي الطويل بين البابا شنودة، والأب متي المسكين، والذي أقام مع تلاميذه في أديرة المنطقة. لكن رمزية الوادي وأديرته تعود إلى أقدم من هذا بكثير. فتأسيس نظام الرهبانية نفسه، والذي تزامن مع إعلان المسيحية ديناً رسمياً للإمبراطورية، كان بحثاً عن صورة أنقى للإيمان في مواجهة الكنيسة التي تماهت مع السلطة الدنيوية. فمع نهاية عصر الاضطهاد الأول، قدمت الرهبانية بديلاً من الاستشهاد، أي الموت عن العالم. ولا عجب أن يكون مصير الأنبا مقار، مؤسس الدير وأبا رهبانية وادي النطرون، هو النفي إلى واحدة من الجزر النيلية، بعد صدام مع السلطات البيزنطية. هكذا، يحمل دير الأنبا مقار، وصحراؤه، رمزية تاريخية للتمرد على السلطة وتماهي الكنيسة معها. لذا، يبدو مفهوماً لماذا يؤمن الأقباط، أنه هناك، يرقد جسد كل من يوحنا المعمدان - الصوت الصارخ في البرية، والنبي إليشع - وريث تركة إيليا، النبي الناري والمتمرد دائماً.

تؤكد القرارات التي أصدرها المجمع المقدس، مؤخراً، وعزل بموجبها أحد رهبان الدير، أن الظروف التي أحاطت بمقتل رئيس الدير، تتصل بصراع بين قطاع من الرهبان الراغبين في التمسك باستقلاليتهم عن الكاتدرائية، وبين البابوية التي تبغي إخضاع الجميع لسلطتها. وكان ذلك الصراع قد بلغ ذروته خلال الأعوام القليلة الماضية، مع محاولة بعض الرهبان إقامة دير خامس في المنطقة باسم "دير السيدة العذراء والأنبا كاراس"، وجمع التبرعات بشكل مباشر لإتمام مبانيه. وقد عارضت الكنيسة تلك الجهود، ورفضت الاعتراف بالدير، وعزلت أحد الرهبان، وهو "يعقوب المقاري"، العام 2015. وبعد عامين، تبرأت الكنيسة من راهب آخر، في سياق الأزمة نفسها.

وليست هذه هي القضية الأولي من نوعها. فـ"دير الأنبا مكاريوس" في وادي الريان، والذي ينتمي الكثير من رهبانه إلى مدرسة وادي النطرون الروحية، كان ساحة لخلاف مماثل بين الدولة ورهبان الدير الذي لا تعترف به الكنيسة أيضاً. ووقفت الكاتدرائية إلى جانب الدولة في تلك الأزمة التي تطورت إلى اعتقال الراهب "بولس الرياني"، أحد قيادات الدير، والحكم عليه بالسجن خمسة أعوام، في 2016. وقضى الراهب عامين مسجوناً بالفعل، حتى حصل على عفو صحي من رئيس الجمهورية، مطلع العام الجاري.

لا يمكن الجزم، حتى الآن، إن كان مقتل الأنبا إبيفانيوس، مرتبطاً بالفعل بتلك الصراعات داخل الأديرة، أم لا. لكن، لا شك في أن تلك الخلافات بلغت نقطة اللاعودة، وأن قيادات الكنيسة ستجد في فداحة واقعة القتل وصدمتها فرصة سانحة لإخضاع ما تبقى من ميول للتمرد، أو محاولات للتمسك بالاستقلالية النسبية التي تمتعت بها بعض الأديرة في الماضي. وفي ذلك السياق، فإن البابا تواضروس يبدو عازماً على استكمال مسيرة سابقة في مركزة السلطات الروحية والإدارية للكنيسة، والتمثيل السياسي للأقباط في شخصه وهيئة المجمع المقدس.

ويظهر أن الدولة والكنيسة متوافقان بشكل كبير، على السعي في هذا الاتجاه، وأنه في الظرف السياسي العام والسياق القبطي الحاليين، فإن استقلاليةً عمرها من عمر المسيحية الرسمية، وتاريخاً من التمرد يعود إلى القرن الرابع الميلادي، في طريقهما إلى أفول نهائي عن صحراء شهيت المقدسة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها