آخر تحديث:11:19(بيروت)
الجمعة 15/06/2018
share

"إخوان" الثورة السورية:من الطاهر إبراهيم الى ملهم الدروبي

عبدالله أمين حلاق | الجمعة 15/06/2018
شارك المقال :
"إخوان" الثورة السورية:من الطاهر إبراهيم الى ملهم الدروبي

قد يبدو عنوان هذا المقال ظالماً للوهلة الأولى، بسبب ما يمكن أن يخيّل للقارئ على أنه "اختزال" وقراءة لمواقف تنظيم "سياسي" بأكمله بناء على شخصين فقط، هما من قيادييه السابقين والحاليين. إلا أنه ليس كذلك، كما نفترض، وخصوصاً في بلد مثل سوريا يصعب فيه انفكاك الأفراد عن خط أحزابهم أو تنظيماتهم السياسية "المقدسة" والخروج عنها، كما أنه يصعب أو يستحيل الفصل في حالة "الإخوان المسلمين السوريين"، بين منهج عام وخط سياسي وفقهي للجماعة من جهة، وبين مواقفها وسياساتها المتعلقة بواقع الحال على الأرض من جهة ثانية، وخصوصاً بعد الثورة السورية.  

مدعاة هذا الكلام هو أن السيد ملهم الدروبي، وهو القيادي في "جماعة الإخوان المسلمين السوريين"، يقدّم بين فترة وفترة مواقف مكتوبة ومعلنة على الملأ، من قضايا يُفترض بها أن تكون محل إجماع لدى عموم السوريين المعارضين للنظام السوري والمطالبين بدولة عدالة ومساواة لا مكان للنظام الأسدي التمييزي، الاحتكاري، الطائفي، ولا لأي تمييز آخر فيها. فهو كتب قبل يومٍ وعلى صفحته في فايسبوك: "أحب أن تضعوا تعليقاتكم حول: ماذا قدم العلمانيون للثورة السورية؟". وكان الدروبي قد قال سابقاً يوم انعقاد مؤتمر سوتشي: لولا الإخوان المسلمين لما كان هناك ثورة في سوريا"، وجاء كلامه رداً على تعليقات انتقدت مشاركة احمد طعمة في المؤتمر. نحن هنا أمام موقفين، تمييزي واحتكاري، بالمعنى الدقيق للكلمة.

أثار هذان الموقفان، السابق والحالي، عاصفة من الغضب والسخرية في أوساط كتّاب ومثقفين وناشطين معارضين للنظام السوري، ومعارضين لكل ما تدعيه الجماعة وتنسب عبره "الفضائل" لنفسها، وخصوصاً بعدما خبِرها سوريون كثيرون في مفاصل متعددة من مسار الثورة ضد الأسد، بدءاً من دورها السلبي جداً في كواليس المجلس الوطني إلى دورها في الائتلاف، وانحيازها إلى مواقف واصطفافات تتعارض مع ما ثار الكثيرون من السوريين وانتفضوا لأجله. هذا إذا ما أضفنا إليه ذلك الالتباس التاريخي في مواقف الجماعة من المعارضة السورية قبل الثورة، بدءاً من وثيقتها السياسية "الشكلية" والتي حملت عنوان: "ميثاق شرف وطني للعمل السياسي في سوريا"، إلى تحالفها مع نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدام في إطار ما سمي حينها بــ "جبهة الخلاص الوطني".

انبرى الدروبي لاحقاً لــ "يوضح" في تعليق له على كلامه آنف الذكر بأن كلامه كان "سؤالاً فقط"، وانبرى عدد من الناشطين السوريين للدفاع عنه، بمن فيهم ناشطون علمانيون لا يبدو أن طعمة وجماعته يعيرونهم اهتماماً، ما خلا التكتيك و"البروتوكول الثوري" على أرضية "القضية المشتركة" بين الطرفين وسردياتها المُملة. واستطراداً، وطالما أننا مررنا بذكر مرحلة ما قبل الثورة، فثمة كثيرون من كتّاب ومثقفي المعارضة السورية يذكرون سجالاً سورياً شهيراً على صفحات الرأي في الصحف والمواقع الإلكترونية تحت عنوان "قضية محمد حجازي وحرية الاعتقاد الديني".

يومها، وفي يوم من أيام عام 2007، قام شاب مصري اسمه محمد حجازي بتغيير دينه من الإسلام إلى المسيحية. وقامت قائمة المؤسسة الدينية ومشايخ وفقهاء السعودية ومصر ضده وطالبوا بإقامة الحد عليه استناداً إلى حديث تنسبه كتب السنّة إلى النبي محمد ومفاده "من بدل دينه فاقتلوه". ابتدأ الكاتب السوري ياسين الحاج صالح السجال بالدفاع عن حق محمد حجازي في تغيير دينه، و"حق الإنسان في الاعتقاد وعدم الاعتقاد والتحير في قضايا الاعتقاد"، ليأتيه الرد من المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، منير الغضبان، وأيضاً من الطاهر ابراهيم، وهذا الأخير كان عضواً في المكتب الإعلامي للجماعة آنئذٍ. وإذا كان الرد على مسألة حرية الاعتقاد التي طرحها ياسين "لطيفاً" و"إرشادياً" من الغضبان، فإنه احتمل التهديد من الطاهر ابراهيم الذي كتب يومها مخاطباً الحاج صالح: "عليه أن يحتاط في كلماته، فإن فيها ما ليس مقبولاً لنا". وعليه، اتسعت رقعة السجال بين الإخوان وبين مثقفين ديمقراطيين وعلمانيين "ياسين الحاج صالح وبكر صدقي وأحمد مولود طيار ومحمد علي الأتاسي وآخرين" ولفترة ليست بالقصيرة، ممثِّلة تيارين في المعارضة السورية، بالفعل.

ليس معروفاً من هم المقصودون بــ "نا" الدالة على الجماعة في عبارة الطاهر ابراهيم: "ما ليس مقبولاً لنا". هل هم عموم الإسلاميين، أم إسلاميون يتفقون مع نمط تفكير الطاهر ابراهيم! أم الجماعة ككلّ؟ كما أنه ليس معروفاً وتبعاً لكلام ملهم الدروبي أيضاً، من هم العلمانيون الذين يطالب السيد ملهم بتوضيحات وعرض لما قدّموه للثورة السورية. هل هم العلمانيون المؤيدون للمعارضة "شكلياً" وللنظام فعلياً؟ أم فكرة العلمانية نفسها؟ أم العلمانيون المنحازون للثورة السورية حتى النهاية وكثيرون منهم دفعوا أرواحهم وحريتهم في سجون تنظيم الأسد ثمناً لموقفهم الداعم والمشارك في الثورة؟ وهل يمكن ألّا يكون السجن في سجون الجماعات الجهادية هو العقوبة الفعلية لعلمانيين، وإن يكونوا مع الثورة، تبعاً لذلك التصنيف؟ "استعدتُ في نقاشي هنا بعض أجواء وأفكار ذلك السجال لمقاربته مع أفكار ونهج الجماعة الذي لم يتغير حتى اليوم، كالعادة، رغم كل ما حصل في البلاد خلال السنوات السبع الماضية".

القانون 49 والقاضي بإعدام كل منتسب للجماعة والمرفوض من جلّ القوى الديمقراطية والعلمانيين المعارضين للنظام يمكن أن يحتمل أكثر من وجه على ما يبدو، كقانون إلغائي، وهو ما يمكن أن يبدو أن ثمة مقدمات نظرية "فايسبوكية" له.

ثمة وهمان في سوريا، وفي بلدان عربية عديدة شهدت ثورات ضد الأنظمة، وربما كانت مصر ثاني أبرز تلك الأمثلة بعد سوريا. الوهم الأول يقبع في رؤوس كثيرين من العلمانيين المؤيدين للأنظمة الحاكمة، ويقوم على "ثورات علمانية" وفق معيار ناجز في أذهانهم وفقاً لتصور سريع وخلاصي للديمقراطية والعلمانية، ويتحول بعض هؤلاء العلمانيين إلى معادين للدين ولِحقّ البشر في الإيمان أو عدم الإيمان بأي دين. أما الوهم الثاني فمكانه عقول وسلوك وسياسات إسلاميين متشددين، سواء أعلنوا عن تشددهم أم غلفوه بخطاب ديمقراطي إجرائي، ويقوم هذا الوهم على مجتمعات منضبطة انضباطاً حزبياً، عقائدياً. هذا الحزب هو "الإسلام"، وفق تصورهم له، وهو مقدمة لإلغاء كل مختلف، رغم ما حصل من تحالفات مع هذا المختلف في بعض المحطات السياسية. يضاف إلى ذلك، أن علمانيين و"ديمقراطيين" كثيرين لعبوا لعبة التحالفات الشكلية والإجرائية مع الإخوان خصوصاً وغطوا وبرروا الكثير من الممارسات واللعب بالقضية السورية داخل مؤسسات المعارضة من قبل الإخوان وغيرهم.

قد يقول قائل: المسألة الفكرية التي يمكن أن يساجل بها المرء الإسلاميين عموماً والإخوان المسلمين خصوصاً هي لزوم ما لا يلزم اليوم، انطلاقاً من أولوية السياسي وغلبته على الإيديولوجي، وهذا صحيح في حالات كثيرة وفي بلدان كثيرة غير سوريا، والتي وصل الحال فيها إلى ما وصل إليه اليوم من تدمير وخسائر وانكسارات وهزائم بحق الثورة وقضية الخلاص والتحرر وبناء بلد. لكن، وإذا ما كان الترفع عن الثقافي والفكري والتقليل من أهميتهما مطلباً وضرورة كما يراه البعض، فإنه من الممكن عندها مقاربة الواقع العسكري والميداني على الأرض، وسط المد والجزر الحاصل بين اسرائيل و"محور إيران"، والذي ينوس بين ارتفاع لنبرة التصعيد تارة والتهدئة تارة أخرى. والتصعيد بين اسرائيل وذلك المحور هو ما يمكن أن يقود "الإخوان المسلمين السوريين" ذات يوم إلى تعليق معارضتهم للنظام كما فعلوا عام 2009، وكانت دوافعهم يومها كما قالوا: "رفض العدوان الإسرائيلي على غزة". ربما يفعلونها لاحقاً، خصوصاً وأن شعار "وأعدّوا.." لا يزال قائماً ولم يتغير، مثل معظم أفكارهم، ومثل فهمهم للسياسة والعمل السياسي والثورة السورية.

 

 

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها