آخر تحديث:08:34(بيروت)
الثلاثاء 12/06/2018
share

24 عاماً على موت حافظ الأسد

عمر قدور | الثلاثاء 12/06/2018
شارك المقال :
  • 0

24 عاماً على موت حافظ الأسد

ليس مؤكداً لدى شريحة واسعة من السوريين أن حافظ الأسد قد مات حقاً؛ ترِكَته موجودة بقوة، ولم تتوقف عن سحق القسم الأعظم منهم، بينما يأمل القسم الآخر باسترجاع المجد الذي يرونه فيها. الرجل مات رسمياً قبل ثمانية عشر عاماً، لكن موته ظل في حيز عدم التصديق، أو عدم التأكيد، ما دامت شريحة واسعة من مؤيديه والناقمين عليه ترى في وريثه استمراراً لوجوده.

في مستهل الثورة، تجرأ سوريون لأول مرة على شتمه في المظاهرات، ومن ثم على تحطيم تماثيله المنتشرة بكثرة في كافة المدن والبلدات. في الوقت نفسه كان يمكن مشاهدة لافتات التأييد لابنه في مناطق الموالاة، بخاصة تلك التي انتشرت بكثافة في مناطق الساحل السوري، وكان جزء معتبر منها ينص على أن التأييد بمثابة وفاء لذكرى حافظ أكثر من كونه اقتناعاً حقيقياً بأهلية وجدارة وريثه. على وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً لم يخفِ بعض المؤيدين أن ولاءه لحافظ هو ما يجعله في صف ابنه، وهذا البعض "وفيه إعلاميون وفي ما بعد من أصبحوا أصحاب مناصب" كان يجهر عام 2011 بكل قوة قائلاً: حافظ الأسد هو رئيسي.

مات لأول مرة عام 1994؛ لم يكن حافظ عاطفياً، ويُروى أنه كان يقضي يومه في مكتبه بعيداً عن الأسرة، باستثناء وريثه آنذاك باسل الذي يحق له دخول المكتب بلا موعد أو استئذان. وفاة باسل ذلك العام كانت مقتل مشروع التوريث كما رآه الأب وأعدّ له، ابنه الذي لم يكن قد أتم الثانية والثلاثين كان قد خضع لعدد ضخم من الدورات التأهيلية، بخاصة على الصعيد العسكري، وكان قد أصبح فعلياً قائد أهم ميليشيا وهي الحرس الجمهوري، فضلاً عن نشاط البروباغندا في تصويره شخصية رياضية متفوقة، بما في ذلك التفوق في الأخلاق الرياضية.

حاول الشقيق رفعت استغلال لحظة الوفاة تلك، فأتى لحضور العزاء عسى أن يستعيد مكانته لدى حافظ. إلا أن التوجيهات كانت واضحة، عمُّ الميت كان معزولاً من الجميع أثناء العزاء، بمن فيهم أولئك الذين كان يرعبهم وجوده ويتملقونه قبل سنوات، والتوجيهات نفسها كانت تنص على دفع بشار إلى الصدارة بوصفه الوريث بصرف النظر عن أنه لم يلقَ سابقاً أي تأهيل. لسدّ ذلك النقص تم فوراً اختراع صورة للوريث الجديد مخالفة لشقيقه الميت، وجرّاء افتقاره إلى كاريزما شخصية وإعداد مسبق اختُرعت له على عجل صورة الوجه المدني الحداثي الذي تعلّم في الغرب.

لم يكن خطأ رفعت الأساسي الشروع في محاولة انقلاب على أخيه كما يُشاع، فمن المرجح أنه كان على دراية بمشروع توريث باسل ورأى نفسه الأحقّ بالسلطة. خطأ رفعت الأكبر قبل ذلك أنه طالما قدّم نفسه بوصفه الوجه الأشرس لعائلة الأسد، وطالما استثمرت آلة حافظ المخابراتية والبعثية في الترويج لأخيه كوجه هو الأقبح والأكثر طائفية للعائلة. كان رفعت طوال الوقت، عبر افتقاره إلى الدهاء والحنكة المطلوبين لطامح في السلطة، يتحمل وزر ذلك الجانب عن قناعة تامة، من دون أن يدري أنه يحرق مستقبله، ليصل إلى النهاية معزولاً ومرذولاً.

يومها تندّر السوريون بالقول أنها أكبر طعنة يتلقاها حافظ من "العدو" الإسرائيلي الحميم، وأن هذه الطعنة عجّلت بموته. فعندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك قراره الانسحاب من الجنوب اللبناني في أيار 2000 كان يسحب من حافظ الأسد ورقة طالما تعيش عليها، هي ورقة المقاومة، وكان يسحب أهم ذريعة متبقية لوجود قواته في لبنان وفرضها الوصاية الكاملة على اللبنانيين. رغم مرضه المستفحل حينها لا بد أن الأسد أحس بأن الانسحاب الإسرائيلي يهدد المملكة التي بناها، والتي ستفقد جزءاً لا يُستهان به من قوتها عندما يُجبر على الانسحاب من لبنان. منذ عام 1976 كانت الهيمنة على لبنان قد أصبحت ركيزة أساسية لقوة المملكة الأسدية، لا لأنها ركيزة القوة الإقليمية فحسب وإنما لأنها تالياً مصدر استقواء على السوريين.

رغم موته البيولوجي في العاشر من حزيران عام ألفين كان الانطباع السائد أنه لم يمت، فحتى بيولوجياً بقي نسله يحكم البلاد، وكان قد أرسى دعامات أجهزة القمع كي تمرر الأبد فوق رغبات السوريين. بشار نفسه حاول في البداية إثبات موته، وفي بعض لقاءاته الداخلية استخدم تعبير "العهد البائد"، إلا أن محاولته قتل الأب كانت أقرب إلى الاستعراض والصبيانية قبل العودة إلى محاولة تقمصه، ومن ثم المزايدة على وحشيته منذ انطلاق الثورة. في عام 2005 ستتحقق مخاوف الأب المتعلقة بالانسحاب من لبنان، بعد أن أشارت أصابع الاتهام إلى المخابرات السورية على خلفية مقتل الرئيس الحريري. هذا كان الانهيار الثاني، الذي يضيف حجراً ثقيلاً فوق قبر الأب، بعد انهيار مشروع توريثه الأول، فالمملكة الأسدية على سوريا ولبنان انتهت، وإن آل ميراثها اللبناني إلى الحليف الإيراني. الأمر الآخر، الذي كان قد ثبت مع الانسحاب وقبله، أن الوريث فشل في أن يقتل أباه، وفشل في أن يكون استمراراً له.

ربما يكون لذكرى موت حافظ الأسد التي مرت قبل يومين دلالة خاصة هذا العام، مع تراكم المؤشرات على إعادة تدوير وريثه بعد ارتكاب مجازر غير مسبوقة حتى من قبل الأب. ذلك يجعل للذكرى طعماً مريراً في نفوس السوريين الذين حاولوا دفنه نهائياً قبل سبع سنوات، بينما يرى بعض مؤيديه في هذا التزامن انتصاراً، وربما استعادة لفكرة "الأسد إلى الأبد"، مع عدم استبعاد وجود فئة صامتة بدأت تدرك فداحة الانتصار ووهمه.

لذا ربما يكون مبرراً التأكيد على موت حافظ الأسد، بالمعنيين الرمزي والبيولوجي رغم بقاء وريثه في السلطة حتى الآن. قد يكفي لذلك ما هو معروف لجهة خواء السلطة التي يمسك بها بشار بعد وقوعه تحت الوصايتين الإيرانية والروسية، بحيث لا مجال للمقارنة إطلاقاً مع السلطة المطلقة التي ورثها من أبيه، وهذا المستوى من العمالة متوقف على رغبات أو تسويات دولية لا يملك من أمرها شيئاً. في كل الأحوال حتى حلفاء بشار لا يريدون استعادة المملكة الأسدية، بعد أن كانوا أبرز المستفيدين من انهيارها. ما يبدو ضرورياً، بينما تُقتسم التركة، أن يثق السوريون أنفسهم بأنهم دفنوا حافظ الأسد نهائياً، الأمر الذي يتطلب ثقة بالنفس أعلى من جو اليأس الحالي، ولتعزيز هذه الثقة يتطلب التخلص من أشباح الأسدية التي تسللت إلى الثورة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب