آخر تحديث:09:43(بيروت)
الأحد 10/06/2018
share

الجهر بالإفطار و"سيلفي"علاء مبارك

محمد طلبة رضوان | الأحد 10/06/2018
شارك المقال :
  • 0

الجهر بالإفطار و"سيلفي"علاء مبارك

في مصر الآن تهمة اسمها الجهر بالإفطار في نهار رمضان، يعتبرونها "جنحة"، الشرطة تعاقب عليها بالحبس، ليس لأن الداخلية اكتشفت فجأة حقوق الإله، فمن لم يعرف حقوق الناس لن يعرف حقوق خالقهم، ولكن لمزيد من إحكام السيطرة على المجال العام، لا يعنيهم في ذلك إن كان "المجرم" مسلما أم مسيحيا، أم غير ذلك، المهم أنه "وقع" ولن يسمي عليه أحد!


هنا يأتي دور المؤسسة الدينية، أو رموز أهل الذكر أصحاب الكلمة المسموعة، فتنتشر فتوى، مصدرها صفحة دار الإفتاء المصرية تفيد بأن الجهر بالإفطار جريمة، نص الفتوى يقول: "المجاهرة بالفطر في نهار رمضان لا يدخل ضمن الحرية الشخصية للإنسان، بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام، لأن المجاهرة بالفطر في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام فضلا عن أنها خروج على الذوق العام في بلاد المسلمين، وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته"


في صلاة الفجر فوجئ المصلون بجامع سيدنا الحسين في حي الأزهر بوجود علاء ابن رئيس الجمهورية الأسبق حسني مبارك، وواحد من أكثر من وجهت لهم اتهامات بالفساد والرشوة والمشاركة بالإكراه، وهي نوع من أنواع السرقة ولكن وفقا لعقود رسمية تفيد بأن السارق شريك المسروق بموافقة الأخير، ومباركته، وذلك "أحسن له"، فالحصول على نصف حقك أفضل من لا شيء. المصلون تَرَكُوا الصلاة، ومقام الحسين، ونسوا الشهر الكريم، والتفوا حول علاء مبارك، لا ليضربونه، أو يوبخونه على مليارات المصريين التي سرقها هو وأبوه وأخوه وأمه وبقية أفراد العصابة الموقرة، ولكن لالتقاط "سيلفي" مع ابن الرئيس الأسبق، والاعتذار له ولأبيه، والترحم على أيام الفساد الوسطي الجميل، ذلك الذي كان فيه الرئيس يسرق وينهب ويسرطن ويجهل، لكنه يوفر ما يمكن اعتباره رغيف عيش، وهامشاً للحركة و"التنفس"، الآن آل الأمر إلى اللا شيء، "مفيش"، فمن لنا بلصوص الأمس الرحماء، أولئك الذين كانوا يستعبدوننا، ولكن .."بالراحة"!


في القرآن الكريم، الأمر بصيام رمضان، والإعفاء للمسافر والمريض والذي يطيق الصيام أي يصوم مع المشقة، من دون تفاصيل تخص "شكل" الإفطار"، وإمكانية الجهر به من عدمه، وفي الحديث، يخبرنا البخاري، في كتاب الصوم، عن أنس ابن مالك قال: "كنا نسافر  مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم "يعب" الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم"، والأغرب أن عنوان الباب الذي ورد فيه الحديث هو "باب لم يعب أصحاب النبي بعضهم بعضا في الصوم والإفطار"!


لقد اعتبر النبي "إهمال" الفقهاء في تعليم الناس وتوعيتهم جريمة تستوجب العقاب، في الدنيا قبل الآخرة، فالجفاة من أهل المياه والأعراب لا يعيبهم أحوالهم إنما يعيب من بيدهم تغيير "وعيهم" لتغيير أحوالهم ومع ذلك لا يفعلون!


منذ أن قرأت فتوى دار الإفتاء المصرية التي أعادوا نشرها على خلفية القبض على أكثر من "مفطر" في وسط البلد وإغلاق أكثر من مقهى تجرأ أصحابها على فتح أبوابها في نهار رمضان، وأنا أتساءل: ما معنى توفير غطاء ديني، لا دليل عليه في كتاب أو صحيح سنة، لتصرفات الداخلية المصرية؟ ما معنى اعتبار الفطر، حتى لو كان المفطر مسلما ومؤمناً وعاصيا ومجاهرا، ما معنى اعتبار ذلك اعتداء على "قدسية الإسلام"؟ ما معنى "المقدس" هنا؟ ما أعلمه أن الصوم فريضة، وأن الله الذي فرض الفريضة هو "المقدس"، وأن "مخالفة" الأمر الإلهي بالمعصية صغرت أم كبرت لا تعد اعتداء على "الله" نفسه، بل معصية يتوجب صاحبها أو لا، يحاسبه الله - في الآخرة - ويغفر له، أما أن أفاجأ - وأنا في هذا السن - أن الفطر "اعتداء" على "المقدس" فهو ما يستوجب معاملتي من قبل الفقهاء معاملة الجفاة من الأعراب!


ما معنى اعتبار كل "مفطر" عاصياً لله، من دون احتمال كونه صاحب عذر، أو ليس مسلما، أو مؤمنا، من الأساس؟ ثم ما معنى "بلاد المسلمين"؟ لقد وردت هذه العبارة في "بوست" دار الإفتاء المصرية، المؤسسة الرسمية، التابعة للدولة الوطنية التي اعترف بها الأزهر، ويعمل وفق قوانينها، "بلاد المسلمين"، ما أعرفه أنها "بلاد المصريين" سواء كانوا مسلمين أو عُبَّاد بقر، وأن "بلاد المسلمين" توصيف قديم ينتمي إلى دولة أخرى وزمن آخر!


في مصر آلاف المساجد، آلاف الخطباء والوعاظ، عشرات الجماعات الإسلامية، وعاظ ورجال علم شرعي من مختلف الطبقات، والمذاهب، الناس في مصر يصلون الجمعة ولو كانوا من غير المصلين، يحضرون الدروس الدينية، يشاهدونها ليل نهار على الفضائيات، الخطاب الديني هو مصدر المعرفة الأول والرئيس، لدى المصريين، فما الذي قدمه هذا الخطاب لعقول المصريين، فقها وفطنة كما يشير الحديث؟ الحقيقية أن المنتج الدين، سواء كان الرسمي، أو الأهلي المتمثل في خطاب الإخوان والسلفيين، إنما يدور حول ما جاء في "كلام" دار الإفتاء المصرية - مجهول النسب الشرعي والعقلي - عن قدسية الإسلام التي انهارت أمام شربة ماء أو تدخين سيجارة في نهار رمضان، ولذلك كانت النتيجة الطبيعية هو "سيلفي" علاء مبارك!، أو كما قال الشيخ علي جمعة مفتي مصر السابق في إعلان تلفزيوني:" تبرعوا بزكاتكم لصندوق "تحيا مصر" .. "علشان تحيا مصر"!!



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها