آخر تحديث:11:40(بيروت)
الثلاثاء 15/05/2018
share

عن طقوس الموت الفلسطيني

ساطع نور الدين | الثلاثاء 15/05/2018
شارك المقال :
  • 0

عن طقوس الموت الفلسطيني

عندما يسير الفلسطيني ، بكامل وعيه، وعن سابق تصور وتصميم، نحو حتفه، لا يمضي  نحو الفداء او الانتحار، ولا يعبر عن يأس وتسليم. لكنه فقط يؤدي طقوساً فريدة، خاصة به وحده. إعتمدها منذ سبعين عاماً ، أو أكثر، حتى صارت جزءاً من هويته ، وثقافته، وأسلوبه الخاص في المحافظة على تاريخه.

لم يكن الفلسطينيون على حدود غزة يحاربون. لم تظهر بندقية واحدة، او حتى سكين. كانوا يرمون أنفسهم في النار، يتسابقون على التقدم نحو مرمى الرصاص الحي. تلك هي طقوس عبادتهم الموروثة عبر الاجيال. وذلك هو إيمانهم بأن العدو لا بد أن يتعب يوماً من قتلهم، أن يخجل، أن يشعر بوازع أخلاقي، أو أنساني ما.. فيتوقف. السياسة خارج البحث عندهم الان. وفي هذا اليوم من السنة بالتحديد . معادلة القوة لا تفيد، في تغيير طبيعة الصراع في المعبد المقدس.

 حماسة المتجهين نحو تلقي الرصاصات المكتومة، الآتية من البعيد، من قناص خفي، خائف، أو متفاخر.. وسرعتهم في التقاط الضحايا عن الارض، وحملهم نحو مثواهم او مشفاهم، وسط صرخات وهتافات موروثة منذ عشرات بل مئات السنين.. كانت تشي بأن اهل غزة كانوا يؤدون طقوس عرس الدم ، التي سبق لهم أن أتقنوها عاما بعد عام، وتدربوا عليها طوال اشهر مضت، قبل أن يبدأوا مسيرة  الموت، التي سميت  لطفاً هذه السنة ، بمسيرة العودة ..نحو الموت.

يقولون أنهم ليسوا من هواة الموت، بل هم من محبي الحياة، ومن عشاق التحرر من تلك الطقوس المؤلمة، ومن كل ما يفرض عليهم الالتزام بتلك العقيدة القاسية، التي تستدعي تقديم هذا العدد الهائل من القرابين، والتي أضطرت أمم وشعوب عديدة الى إعتمادها، عبر التاريخ، عندما ساءت علاقتها مع السماء والارض معا.. لكنها باتت اليوم حكراً على الفلسطينيين وحدهم دون سواهم من دون بقية الخلق.

بالامس، إكتسبت طقوس الموت الفلسطيني زخماً إضافياً. إنها سبعون النكبة. كان هناك حرصٌ خاصٌ على أن يتعرف العالم ويحفظ في ذاكرته وقائع تلك المسيرة السلمية، وأن يسجلها في وثائقه بوصفها التعبير  الاقصى عن إرادة  لا تكلّ، وحافز داخلي لا يضعف، ولا يعتمد على أي قرار  من سلطة او قيادة او جامعة..ولا يمكن لأحد ان يستثمره أو أن يضعه في رصيده، مثلما لا يمكن لأحد أن يصفيه، او حتى أن يضعفه، ولو بعد مائة عام.

أمام مسيرة الموت، بالامس، بهتت بقية المشاهد والصور وتضاءلت بقية المواقف والبيانات. ليس بإمكان حركة "حماس" أن تتبنى بالكامل عقيدة تناقض جوهر خطابها السياسي. يمكن ان تستفيد مؤقتاً من تلك الطقوس السلمية، ومن عدد القرابين المذبوحة وحجم الدماء المسفوكة، لكنها لا تستطيع ان تقول أن هذا هو خيارها وإيمانها الوحيد. وليس بإمكان السلطة أن تدعي حزناً على الشهداء وعطفاً على الجرحى، وهي تخشى من أن تطرق تلك المسيرة أبوابها يوما ما، وتهدم هيكلها وبنيانها.

أمام مسيرة الموت ، بالامس، تصاغرت ردود الفعل العربية والاسلامية، حتى بدت أضعف من الردود الغربية المبنية على حس إنساني وأخلاقي بسيط ، ومجرد من أي محتوى سياسي. ولم يجد الفلسطيني صعوبة في الاكتشاف أنه وحيد، محاصر ، من الاشقاء قبل الاعداء.. كان يتلقى رسائل التضامن والتعاطف المرفقة بأقوى من أنتجته اللغة العربية من كلمات الرثاء والهجاء، ويستغرب كيف لا تنتج هذه العبارات القوية تعديلاً ولو طفيفاً في سلوك أي عاصمة أو أي نظام أو حزب.

أمام مسيرة الموت، بالامس، بدا الاحتفال بافتتاح السفارة الاميركية في القدس المحتلة، أشبه برقصة  غزاة مختلين على مقبرة سكان أصليين،  لا تضم جثامين فلسطينية فقط، بل رفات أمة هانت عليها مقدساتها ، وخلت طقوسها  من أي  معنى .

 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن الالكترونية

مقالات أخرى للكاتب