آخر تحديث:09:40(بيروت)
الثلاثاء 01/01/2019
share

المال المجاني..يحلّ معضلة العمل؟

شادي لويس | الثلاثاء 01/01/2019
شارك المقال :
المال المجاني..يحلّ معضلة العمل؟ الماركات العالمية ما زالت تفضل مصانع الحياكة المكتظة في بنغلادش وعمالتها شبه المجانية، على الروبوتات (غيتي)
العمل، هو ضريبة الخطيئة، بحسب العهد القديم. العقاب الإلهي لآدم لتجرّؤه على معرفة الخير والشر، وثمن الهبوط من الجنة إلى العالم الحقيقي. وكما عوقبت حواء بآلام المخاض، فاللعنة التي ستلاحق رجُلَها هي الكد، "بعرق وجهك تأكل خبزاً". ولا عجب أن تتبني شجرة اللغات الهندو-أوروبية لفظة واحدة لتصف "العمل" و"ألم الولادة" معاً. وفي المدينة-الجمهورية اليونانية، كان العمل قرين العبودية، كما تذهب حنة أرنت في "الشرط الإنساني". فالرجال الأحرار، وحدهم تمتعوا بامتياز "اللاعمل"، التحرر من الضرورة، والتفرغ للشأن العام: القضاء والسياسة والرياضة والفنون بأنواعها. أما الكد، فكان عاراً مقتصراً على النساء في البيوت، وعلى العبيد خارج البيوت.

لكن الحضارة الغربية، التي يقول أصحابها أن جذورها يهودية-يونانية، لم تكتفِ برؤية عار العمل ولعنته. فعبر كل من آلام المخاض والكدح، يمكن إعادة خلق العالم وجعل الحياة ممكنة، وبهما يستطيع الفرد أن يتجاوز نفسه إلى ما هو أبعد: المجتمع، الأجيال القادمة، والمستقبل. ظلت المعضلة، التي تصدى لها منظّرو يوتوبيات القرن الثامن عشر، وراديكاليي ما بعد الثورة الصناعية، هي تحرير العمل، أو بمعنى آخر تحريرنا فيه أو منه. فبنية الاستغلال الرأسمالي التي وجدها ماركس مسؤولة عن اغتراب الفرد عن نفسه والآخرين من خلال الكدح، كان يجب هدمها. والعمل كان لا بد له أن يضحى خياراً، يشبه اللعب أو الفن. وفيما ذهب الراديكاليون إلى تغيير كلّي لبنية الإنتاج والملكية والمجتمع، فإن بعض الطوباويين طرحوا صورة لمجتمع تنتفي فيه "ضرورة" العمل أو الاضطرار إليه، بتوزيع موارد الطبيعة السخية على الجميع.

تعود اليوم، الطوباوية وحلولها لمعضلة العمل، وتظهر على السطح بين حين وآخر، خصوصاً بعدما خفتت دعوات التغيير الجذري للعالم. وتقول الصحافية الأميركية، آني لوري، في كتابها "أعطوا الناس مالاً"، الصادر هذا العام بالإنجليزية عن دار "كراون"، حجة جديدة للجدل الدائر حول "الدخل الأساسي المعمم". فـ"المال المجاني"، كما يسميه البعض بقليل من التهكم، والذي سيتم توزيعه على الجميع بغض النظر عن مداخيلهم وثرواتهم، سيكون كافياً لاستئصال الفقر، ولـ"تثوير" العمل. فالأفراد الذين سيحصلون على مداخيل كافية لسد حاجاتهم الأساسية، لن يكونوا مضطرين للقبول بوظائف ذات أجور غير منصفة، وسيكونون في وضع أفضل للتفاوض في سوق العمل. وتذهب لوري إلى الضرورة الملحة في تصور عالم المستقبل، الذي ستحل فيه الروبوتات والتكنولوجيا محل البشر.

ربما تكون لوري محقة بشأن التكنولوجيا وتأثيرها في المستقبل البعيد. لكن العقود الثلاثة الماضية، والتي شهدت ثورات متتابعة في مجال رقمنة العالم، لم تحمل أي دلالة على تراجع العمل. فالتكنولوجيا التي قضت على ملايين الوظائف، خلقت أكثر منها في الوقت ذاته، في مجالات أخرى. تبدو معدلات التوظيف اليوم في دول العالم الأول، الأعلى تقنياً، دون اختلاف كبير عما كانته قبل عقود ثلاثة. ربما الدلالة الوحيدة الممكن تلمسها، هو ارتفاع سن التقاعد بمعدلات استثنائية، ليصل إلى منتصف السبعينات، بعدما كان بالكاد يصل إلى عمر الستين قبل عقدين. ومن المتوقع أن تضطر نسب متزايدة من السكان في الدول المتقدمة، إلى العمل حتى مشارف الثمانينات، في خلال عقود ثلاثة من الآن. وكذلك، فإن موجة من التقشف الحكومي في الغرب، أعقبت الأزمة المالية العام 2008. ودفعت فئات كانت معفاة من العمل، إما بشكل مؤقت أو طويل المدى، إلى الولوج إلى سوق العمل مرغمين، لتعويض الانخفاض في مبالغ إعانات الضمان الاجتماعي. والأفدح، أنه إلى اليوم، ثبت أن العمالة البشرية أرخص من المكننة في أحيان كثيرة. فماركات الملابس العالمية، على سبيل المثال، لاتزال تفضل مصانع الحياكة المكتظة في بنغلادش وعمالتها شبه المجانية، بدلاً من استخدام الروبوتات.

ولعل كل ذلك، لا ينفي إمكانية مستقبل يشح فيه العمل، أو يصل إلى نهايته. لكن عالماً يحصل سكانه جميعاً على دخل يوفر الحد الأدنى من احتياجات الحياة، لا يبدو بالضرورة مكاناً أفضل. فتصور أن "الدخل الأساسي المعمم" سيمنح العمال وضعاً أقوى للتفاوض، يسقط في فخ فرضية "العرض والطلب" المضللة. فسوق التوظيف، كسوق البضائع، لا يبدو خاضعاً بالضرورة لقواعد الرياضة ومنطقها المجرَّد، بل في الأغلب لقواعد يلعب فيها القسر والاستغلال وعلاقات السلطة دوراً كبيراً. ففي عالم يتجه بأي حال، إلى أن تملك فيه شريحة من السكان لا تتجاوز نسبتها الواحد في المئة، الحصة الأكبر من ثرواته، وتعيش بقية سكانه المتعطلة أو شبه المتعطلة، على منح "المال المجاني" من هامش فوائض رأس المال، تبدو فيه مساحة ضئيلة للتفاوض من أي نوع، أو لقواعد العرض والطلب. ربما سيكون هذا عالماً بلا جوع أو مشردين، لكنه ليس مكاناً أقل اغتراباً، ولا أكثر حرية. وفي أفضل الأحوال، يمكن تصور هذا العالم كأكبر "نزل للمشردين"، ينام فيه الجميع ويأكلون ما يكفيهم للحياة، من دون مقابل.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها