آخر تحديث:08:24(بيروت)
الأحد 30/12/2018
share

ترامب يضع أميركا في ورطة

لوري كينغ | الأحد 30/12/2018
شارك المقال :
ترامب يضع أميركا في ورطة Getty ©
بغض النظر عن الطريقة التي تنظر بها إليها، دخلت الولايات المتحدة حقبة غير مسبوقة من تاريخها القصير نسبياً. وسواء كان المرء يتعامل مع هذا الواقع من وجهة نظر علم الاجتماع أو العلوم السياسية أو علم النفس، فإن الاستنتاج هو نفسه: نحن في الولايات المتحدة في ورطة عميقة من النوع الذي لم نختبره من قبل، وقليلون منا مجهزون للتعامل مع تداعياته، غالباً لأننا  في حالة إنكار لما بلغته الامور من سوء.
وبما أن الولايات المتحدة هي قوة عالمية كبرى منذ ما يقرب من 70 عاماً، فإن الأزمة هنا تؤثر على الناس في جميع أنحاء العالم. بالنظر إلى الوثائق التأسيسية، والمشاعر، والروح التي سادت أحداث 1776، لم تكن الولايات المتحدة قد أقيمت في الواقع لتكون قوة إمبريالية. ولكن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حصل ذلك بالتحديد، خاصة بعد دخولها في حرب فييتنام الكارثية. كانت تلك بداية النهاية للولايات المتحدة كممثل أخلاقي على المسرح العالمي. لذا، ربما يكون الانسحاب من المسرح العالمي - الذي يريده دونالد ترامب بوضوح - ضرورياً الآن، ولكن لأسباب لا تتماشى مع آراء ترامب.
قرار ترامب الانسحاب من سوريا وأفغانستان يثير عدداً من الأسئلة المهمة والمترابطة، ويجبر الأميركيين على التصالح مع تدخلات واشنطن العسكرية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى خلال نصف القرن الماضي. بالنسبة للكثيرين منا على اليسار، كان تدخل الولايات المتحدة العسكري في أي مكان فكرة سيئة للغاية مع عواقب مروعة منذ كوريا وفيتنام حتى الآن. ولكن في الوقت نفسه، تبدو البدائل في أماكن مثل سوريا أكثر قاتمة: لن تكون الهيمنة الروسية ممتعة لأحد. من المحتمل أن العديد من الذين يكرهون الولايات المتحدة الآن سيفتقدونها عندما تنتهي.
من السهل جداً أن نكون متهكمين وساخرين حول مفاهيم "الاستثنائية الأميركية"، لكن هناك بالفعل بعض العناصر الاستثنائية حول هذه التجربة التي تدعى الولايات المتحدة والتي يجب أن نعيد تقييمها. لم يتم تأسيس الدولة كقوة قومية أو دينية. على الرغم من أن العديد من الآباء المؤسسين في أواخر القرن الثامن عشر كانوا في الواقع تجار الرقيق، ولم يكن أي منهم يقبل فكرة التصويت للنساء، كان التزامهم بقيم التنوير في الكرامة الإنسانية ورفضهم للأرستقراطية والحق الإلهي للملوك والنبلاء، جديراً بالثناء في سياق ذلك الزمن.
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، نظر العديد من بلدان الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة كمنارة للعدالة والحرية والأمل عندما أعلن الرئيس وودرو ويلسون نقاطه الـ14. من خلال العيش والعمل في فلسطين ولبنان خلال التسعينيات، التقيت وأجريت مقابلات مع العديد من الناس، في الستينيات والسبعينيات من العمر، الذين كانوا لا يزالون يحترمون الولايات المتحدة بشكل خاص، ولا يزالون يأملون في أن تحدث فرقاً بالنسبة للفلسطينيين الذين جُرحوا بسبب مظالم العام 1948. في الواقع، معظم الناس الذين تحدثت إليهم في فلسطين في عام 1992 كانوا قد حفظوا إعلان الاستقلال الأميركي واعتبروه في غاية الاحترام. وجدت آمالهم بسيطة - حتى يائسة - في ذلك الوقت.
كان العيش في لبنان فور انتهاء الحرب بمثابة دورة مكثفة في الفساد واليأس. لقد حصد أباطرة الحرب الذين دمروا البلاد فوائد حقبة ما بعد الحرب، وحتى في سياق الجامعة، رأينا الآثار: مديرو الجامعات الذين كانوا أكثر التزاماً بمجتمعاتهم الطائفية أو السياسية، من مصالح طلابهم أو مستقبل لبنان. طُلب مني تغيير الدرجة الفاشلة لطالب من عائلة تنتمي إلى القوات اللبنانية إلى درجة النجاح. رفضت.
عندما حصلت على جنسيتي اللبنانية في عام 1994 وأخبرت طلابي، كنت أفخر بكوني مواطنة لبنانية جديدة، ضحكوا وقالوا: "إنه مجرد جواز سفر آنسة"؛ شعرت بالغضب وقلت لهم إن عليهم أن يتخلوا عن هذا التفكير إذا أرادوا رؤية البلد يتعافى من سنوات الحرب الطويلة. وكان ردهم "هذا لبنان.. ماذا نفعل!". لقد تخلوا بالفعل عن البلد كمشروع جماعي. اقترحت بكل سرور أن يغيروا أرزة العلَم إلى شجرة أرز ميتة إذا كان هذا هو رأيهم. قال أحد الطلاب "لبنان بلد يسمح فيه بكل شيء، لكن لا شيء ممكن"، الأمر الذي أحزنني كثيراً. أدركت حينها أنني حقاً أميركية: شخص يشعر أن الأمر ليس ضرورياً فحسب، بل إنه محتمل وأكثر من ضروري، أن تشمر عن ساعديك وتحاول تحسين الأشياء من أجل الصالح العام. الظلم لا ينبغي أن يستمر. بالنسبة لي، هذا ما يعنيه أن تكون أميركياً. أنا أدرك تماماً أن هذه الآن وجهة نظر نادرة.
الآن، باعتباري أميركية تعيش في "أميركا ترامب"، أستطيع أن أتعاطف مع سخرية طلابي اللبنانيين قبل 25 سنة. لقد نشأت في أسرة من اليساريين الذين ناضلوا من أجل الحقوق المدنية، عارضوا حرب فيتنام، وقاموا بحملة لصالح السيناتور جورج ماكغفرن في الانتخابات الرئاسية عام 1973، ولم أكن أبداً أميركية شديدة الوطنية. لم أوافق أبدًا مع أي شخص يقول عن أميركا، "أحبها أو اتركها!". لم يسبق لي أن أيدت القومية التي وصفها أحد الباحثين بأنها "الجهد الدؤوب لوضع وجه أحادي الثقافات على واقع متعدد الثقافات بعمق".
رؤية ترامب يثير المشاعر القومية والوطنية الأميركية في الولايات المتحدة أخافتني وأحزنتني. لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكراهية والعنف. ولكنني أقوم أيضاً بتدريس صفوف حول حقوق الإنسان تبدأ بالتنوير وتنتهي بأحدث تقارير الأخبار. لقد تعرضت قيم ومعتقدات التنوير لاعتداء شامل، وهذا أمر طبيعي ومفهوم من بعض النواحي. مؤسسو الولايات المتحدة كانوا من البشر المعيبين. كانوا يملكون العبيد. لم يروا النساء كإنسان كامل. لكنهم يعتقدون أن البشر يتمتعون بكرامة متأصلة ويجب ألا يتعرضوا للقمع أو الاستغلال أو القتل أو الإذلال.
في معارضة ومقاومة ترامب وكل تأثيره السام على الولايات المتحدة، نرى بعض اللمحات لنفس الروح. من الممكن تماماً أن يشجع ترامب الأميركيين على إعادة اكتشاف وتجديد الوثائق التأسيسية لهذا البلد الشاب. لا يعني ذلك أنها قديمة وغير مجدية؛ بدلاً من ذلك لم يدركوا بعد إمكانياتهم الكاملة الحقيقية. العواطف والرؤى التي ألهمت التجربة الأميركية في 1776 جرى تشويهها واستخدامها بشكل سيء من قبل أمثال ريتشارد نيكسون، وول ستريت، المجمع الصناعي العسكري، والآن دونالد ترامب. دعونا لا "نرمي الطفل بماء الحمام". دعونا نعترف بأن المشاعر والرؤى والرغبات نفسها حشدت عشرات الآلاف من المصريين والتونسيين والسوريين والبحرينيين واليمنيين للخروج إلى الشوارع باسم الكرامة الإنسانية في عام 2011. هذا هو المكان الذي يكمن فيه الأمل، وليس في مخططات فلاديمير بوتين أو إجرام دونالد ترامب.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب