آخر تحديث:16:45(بيروت)
الأربعاء 19/12/2018
share

شراكة تركية أمريكية

إياد الجعفري | الأربعاء 19/12/2018
شارك المقال :
  • 0

شراكة تركية أمريكية

ثلاث مرات على الأقل، خلال أيام، تواصلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية، مع الائتلاف السوري المعارض، الذي سبق أن تخلت عنه، أو أدارت ظهرها له. إحدى حالات التواصل تلك كانت على سبيل التهديد. لكن الحالات الأخرى كانت على سبيل الاستمالة وتلمس إمكانيات التعاون، من جديد.


فالولايات المتحدة الأمريكية، التي حرقت معظم "مراكبها" السورية، خلال السنتين الأخيرتين، تجد نفسها اليوم في حاجة ملحة للبحث في دفاتر علاقاتها "العتيقة" مع قوى المعارضة السورية، بعد أن استشعرت ضيق رهانها على الشريك المحلي الكردي، المتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي، وذراعه العسكري "قوات سورية الديمقراطية".


وفي الساعات الأخيرة، أجرى دبلوماسي أمريكي رفيع، تواصلاً مع رئيس الائتلاف المعارض. ودعاه لزيارة واشنطن، مؤكداً أن الولايات المتحدة تتفهم مخاوف الائتلاف من عمليات التغيير الديمغرافي في سوريا.


قبيل ذلك، تحرك جيمس جيفري، مسؤول الخارجية الأمريكية المعني بسوريا، صوب "المجلس الوطني الكردي"، وهو أحد مكونات الائتلاف المعارض، لإقناع المجلس بدفع مقاتلين محسوبين عليه (البشمركة السورية) للمشاركة في تأمين الحدود السورية – التركية، بدلاً من مقاتلي "قوات سورية الديمقراطية" الذين تعتبرهم تركيا، امتداداً لحزب العمال الكردستاني.


بطبيعة الحال، يمثل ذلك نقاطاً في سلّة المكاسب التركية. فالأمركيون الذين حصروا معظم رهاناتهم السورية في "الاتحاد الديمقراطي الكردي"، دفعوا أكبر تكتل سياسي سوري معارض، وهو الائتلاف، للارتماء في الحضن التركي. وتلقفت أنقرة الأخير، ليصبح إحدى أوراقها السورية العديدة، إلى جانب فصائل معارضة تلقفتها تركيا، بعد أن تخلى عنها الحلفاء الإقليميون، وتحديداً السعودية. واستقبلت تركيا تلك الفصائل، من قبيل "جيش الإسلام"، في شمال غرب البلاد، لتعيد تأهيلها لصالح الأجندات التركية.


وبذلك، ورثت تركيا، جزءاً كبيراً من المعارضة السورية، السياسية والمسلحة، التي تخلى عنها الغرب، والخليجيون. الأمر الذي يتيح لها هامشاً أكبر للمناورة في المناطق السورية المتاخمة لحدودها.


وأمام الاندفاعة التركية، نحو شرقي الفرات، تنحصر الخيارات الأمريكية بين صدام مع الحليف التركي، يهدد بمزيد من الخسارة الاستراتيجية لهذا الحليف، وبين تقديم تنازلات نوعية له. ويبدو أن الخيار الثاني هو ما تعمل عليه واشنطن، عبر إشراك لاعبين سوريين في تركيبة الإدارة في شرقي الفرات. هؤلاء اللاعبون، سواء كانوا من "المجلس الوطني الكردي"، أو من فصائل وعشائر عربية على صلة بالائتلاف المعارض، وتنشط في الجزيرة السورية، مُحسوبون في نهاية المطاف، في "السلّة التركية". وهذه قد تكون الاستراتيجية المثلى المتاحة للأمريكيين، لتثبيط النوايا التركية للاندفاع العسكري نحو شرفي الفرات. أي منح تركيا شراكة في إدارة تلك المنطقة، عبر لاعبين مُحسوبين عليها، أو مقربين منها.


ولا يبدو أن سيناريو سحب "الديمقراطي الكردي" تماماً من منبج، سيكفي لإقناع تركيا. وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن استخدام جنود أمريكيين كدروع لحماية "قوات سورية الديمقراطية" في نقاط المراقبة المعلن عنها، استراتيجية واقعية كفيلة بتثبيط النيّة التركية بالعمل العسكري.


وفيما تبدو الولايات المتحدة الأمريكية، في حالة ضغط، جراء التلويح التركي بعمل عسكري، لا يمكن في الوقت نفسه، أن نتجاهل حقيقة أن المصلحة التركية لا تكون في صدام عسكري محتمل، مع الأمريكيين. لذا فإن تسوية وسط بين الطرفين، هي الحل الأنسب لهما. ولتنفيذ ذلك، قد يتطلب الأمر عملاً عسكريا ًتركياً، مؤقتاً، يجبر قيادة "الاتحاد الديمقراطي الكردي"، المُتعنة، على تقديم التنازلات المتفق عليها مع الأمريكيين.


وهكذا يبدو أن تركيا في طريقها لأن تكون شريكاً للأمريكيين في شرقي الفرات. وهي شراكة قد تغيّر في موازين القوى، بين اللاعبين في سوريا، وتعزز من الوزن التركي، بشكل نوعي.


وإذا تحقق هذا التطور، فهو سيمثّل ارتفاعاً للأسهم المتضائلة لقوى معارضة سورية، في تركيبة المشهد السوري. وهي قوى أصبح ارتباطها بالحليف التركي، ارتباطاً عضوياً، يصعب الفكاك منه. بحيث أصبحت كل زيادة للنفوذ التركي، تصب في صالح هذه القوى. وفي الوقت نفسه، أصبح هذا الارتباط، يلزم تلك القوى بالانصياع للأجندات والأولويات التركية، بصورة يصعب تخيّل إمكانية مقاومته، على المدى القريب أو المتوسط.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها