آخر تحديث:12:22(بيروت)
الجمعة 14/12/2018
share

إسرائيل- وروسيا:التنسيق والتنافس

بسام مقداد | الجمعة 14/12/2018
شارك المقال :
إسرائيل- وروسيا:التنسيق والتنافس

لم يكن المسار المتردي للعلاقات الروسية الإسرائيلية بعد سقوط الطائرة الروسية في أيلول/سبتمبر الماضي، يشير إلى وجود أية إمكانية لنجاح اللقاء بين العسكريين الروس والإسرائيليين، الذي عقد في موسكو الأربعاء المنصرم. وبدا الإعلان عن اللقاء من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي امراً مفاجئاً، خصوصاً في ظل الحملة العاصفة في الإعلام الإسرائيلي من الإتهامات الموجهة إلى روسيا بالعداء للسامية، بلغت حد القول بأن "روسيا يحكمها معادون للسامية "، وبأن "روسيا ليست صديق إسرائيل، بل تؤيد الإرهاب" كما ذكر موقع "cursor" الإسرائيلي الناطق بالروسية، في تعليقه على تصويت روسيا لصالح "حماس" في الأمم المتحدة.

الحملة الإعلامية الإسرائيلية هذه، ليست سوى الرد على الموجة العارمة من العداء لإسرائيل واليهود، التي تجتاح روسيا، إثر حادثة الطائرة الروسية، والتي اتخذت طابعاً رسمياً، إثر تثبيت المحكمة الدستورية الفدرالية الروسية الأسبوع الماضي لحكم محكمة روسية إقليمية حكمت ببراءة متهم روسي نفى وجود المحرقة النازية لليهود ووصفها، بأنها "أساطير يهودية".

في ظل هذه الأجواء السائدة في البلدين، كان من الصعب تصور حدوث أي لقاء رسمي بين مسؤولي البلدين ونجاحه في تغيير وجهة المسار التنازلي في العلاقات بين البلدين. فقد كتب موقع "Walla!" الإسرائيلي، كما نقلت عنه نوفوستي في اليوم نفسه للقاء بين العسكريين الروس والإسرائيليين، يقول بأن "وفد الجيش الإسرائيلي لن يذيب الجليد، وروسيا هي التي تفرض القواعد في سوريا". ويقول الموقع، أن زيارة قائد إدارة العمليات في الأركان الإسرائيلية الجنرال آرون خليفا إلى موسكو، هو "إنجاز كبير" من وجهة نظر إسرائيل. ويبدو، على قوله، أن روسيا قد استبدلت الغضب بالرحمة، بعد النقد القاسي والتهديدات الروسية للجيش الإسرائيلي وبرود العلاقات بين البلدين بعد حادثة الطائرة.

لكن روسيا، حسب الموقع، تحمل هذا اللقاء معنى مختلفاً كلياً، كما تشير أجهزة إعلامها. فالجنرال الإسرائيلي آرون خليفا، يجتمع بمسؤول أدنى منه رتبة ومسؤولية، وهو نائب قائد إدارة العمليات في الأركان الروسية الجنرال فاسيلي تورشين، الذي ليس على علاقة مباشرة مع الحرب السورية، حسب مواقع إسرائيلية أخرى. وكانت الرسالة مفهومة. فروسيا، وعلى الرغم من أنها تعرف محدودية قوتها في الشرق الأوسط ومحدودية الضغط الذي بوسعها ممارسته على إسرائيل، إلا أنها لا تنوي "خلع التاج" عن رأسها. فالحرب السورية تقترب من نهايتها، وروسيا ليست معنية بإثارة نزاعات جديدة مع حلفائها في هذه الحرب، ولذلك عمدت إلى افتعال أزمة مع إسرائيل لتضييق مساحة حرية الجيش الإسرائيلي في الهجمات على إيران وحزب الله. وتدرك إسرائيل أنها بحاجة إلى تفاهم جديد مع روسيا للحفاظ على حرية حركتها في سوريا، وهو ما سعى إليه الجنرال آرون خليفا في زيارته إلى موسكو، التي هي بحاجة إلى الإحتفاظ بعلاقة مع إسرائيل، التي تلعب الآن دور الجسر بينها وبين واشنطن في مجالات عدة، على قول الموقع.

من جانب آخر، كان ما نشرته وكالة نوفوستي عن اللقاء، صبيحة يوم انعقاده، الأربعاء في 12 من الشهر الجاري، دليلاً واضحاً على الإختلاف بين الطرفين في مقاربة هذا اللقاء. فقد نقلت الوكالة عن وزارة الدفاع الروسية قولها، أنه من المزمع خلال اللقاء مناقشة مختلف جوانب توفير أمن منطقة الشرق الأوسط، بما فيه الوضع في سوريا. لكن تصريحاً للجيش الإسرائيلي، كما نقلته نوفوستي، يقول بأن هدف اللقاء يتمثل في إعلام روسيا بعملية "درع الشمال" على الحدود مع لبنان، ومناقشة مسائل عملانية أخرى.

وكان من اللافت أن تُرفق الوكالة الحديث عن اللقاء بين العسكريين الروس والإسرائيليين بتصريح للقائد السابق لإدارة التعاون العسكري الدولي في وزارة الدفاع الروسية قال فيه، بأن اللقاء يشير إلى أن روسيا قد سامحت إسرائيل على سقوط الطائرة الروسية، وأن مناقشة مشاكل لبنان وحزب الله مع الإسرائيليين هو تنازل روسي آخر لإسرائيل، وقال بأن لروسيا اليوم علاقات "ليست سيئة" مع المشرق العربي وإيران، وأن التفاوض مع إسرائيل "من وراء ظهورهم" لن يضيف إلى نفوذها شيئاً. وأضاف هذا العسكري الروسي السابق بصراحة جازمة:" أنا لا أرى أية مصلحة لروسيا في هذا اللقاء".

لكن التعليق الإسرائيلي الأشد تعبيراً عن الأجواء السائدة في إسرائيل تجاه روسيا، هو ما نشره موقع "vesty" الإسرائيلي الناطق بالروسية من مقتطفات من مقالة للمعلق العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الكس فيشمان تحت عنوان "روسيا تحمي حزب الله وتتعمد إذلال إسرائيل". يطلق فيشمان على زيارة الوفد العسكري الإسرائيلي إلى موسكو تسمية "زيارة الذل"، وينقل عن كبرى الصحف الروسية "kommersant" ما كتبته صبيحة يوم اللقاء من أن قوافل حزب الله والفصائل الشيعية الأخرى تستخدم الأعلام الروسية في تنقلاتها في محافظات إدلب وحمص وحماه، وفي منطقة الصحراء السورية، وذلك بغية حماية نفسها من ضربات الطيران الإسرائيلي. ويقول فيشمان، أن هذه المعلومة تؤكد ما سبق للعسكريين الإسرائيليين محاولة إقناع الكرملين به، من أنه ليس إسرائيل هي من يحتمي بطائرة إيل-20 الروسية، بل هي إيران وملحقاتها من يحتمي بالعسكريين الروس في سوريا لأهدافهم الخاصة. إلا أنه لم يصدر عن روسيا أي رد رسمي على تأكيدات إسرائيل هذه، وظلت، كما في السابق، تؤكد على المصلحة في التعاون مع إيران. وينقل فيشمان عن أحد قادة المعارضة السورية المسلحة فاتح حسون في مقابلة له مع الصحيفة الروسية المذكورة، قوله بأن الأمر لا يتعلق "بمبادرة ذاتية" من قبل حزب الله والفصائل الشيعية الأخرى، بل هو يأتي "في إطار إتفاقية مع العسكريين الروس من أجل الإحتماء من الضربات الإسرائيلية. وفي المقابل، تلتزم الفصائل الموالية لإيران بتنفيذ الأوامر الصادرة عن الأركان المشتركة مع الروس".

ويقول فيشمان، أن لقاء موسكو بين العسكريين الروس والإسرائيليين قد تطرق إلى هذه المسألة، بشكل أو بآخر، كما حاول العسكريون الإسرائيليون إقناع زملائهم الروس بعدم مسؤوليتهم عن سقوط الطائرة الروسية. لكن الحجج الإسرائيلية لم تلق أذناً صاغية في روسيا، وكان اللقاء "أكثر من بارد"، ولم يتم التوصل فيه إلى تفاهم مشترك. وكان رئيس الأركان الإسرائيلي غادي إيزنكوت يزمع إرسال الجنرال خليفا إلى موسكو قبل شهر من اللقاء الأخير، إلا أن موسكو رفضت هذا الإقتراح في حينه، على قول فيشمان.

وفي إصراره على وصف زيارة الوفد العسكري الإسرائيلي "بزيارة الذل"، يستغرق فيشمان في إيراد العديد من التفاصيل، التي تعمدتها روسيا في توجيه الإهانات إلى إسرئيل، التي بدا وكأنها قد أحرجت روسيا في الإعلان عن هذا اللقاء على لسان نتنياهو نفسه يوم السبت، الذي سبق اللقاء.

إن فشل لقاء العسكريين الروس والإسرائيلين في التوصل إلى توافق ما، سوى الإستمرار في التنسيق في الأجواء السورية، لم يكن فشلاً مفاجئاً، بل جاء نتيجة اصطدام العجرفة الإسرائيلية مع التذاكي الروسي في صراعهما حول الطموحات الإيرانية على الأرض السورية، التي عاثوا فيها جميعاً قتلاً وتدميرا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب