آخر تحديث:09:26(بيروت)
الخميس 13/12/2018
share

الهيمنة الايرانية .. ابواب متعددة

حسن فحص | الخميس 13/12/2018
شارك المقال :
  • 0

الهيمنة الايرانية .. ابواب متعددة

بعد الانجاز الذي حققه النظام الايراني في مفاوضات الملف النووي والتوصل الى الاتفاق مع مجموعة 5+1 في تموز 2015، لم يتردد الرئيس الايراني حسن روحاني في الخروج على الرأي العام الاقليمي ودوله باقتراح مشروع لادارة المنطقة او الاقليم من خلال طرح مقولة "تشكيل المنطقة القوية" بديلا عن الدول القوية في المنطقة.

هذه الرؤية القديمة والمتجددة لدى النظام الايراني سبق لروحاني ان قدمها في العام 2004 خلال ترأسه الفريق الايراني المفاوض مع الترويكا الاوروبية (فرنسا وبريطانيا والمانيا) بالاضافة الى الاتحاد الاوروبي ممثلا آنذاك بخافيير سولانا مسؤول العلاقات والسياسة الخارجية.

روحاني الذي كان يشغل موقع سكرتير المجلس الاعلى للامن القومي وممثلا لمرشد النظام في هذا المجلس، قدم حينها رؤية تقوم أساسا على البعد الامني والعسكري بناء على الواقع الذي كانت تعيشه المنطقة، فايران كانت حينها تعيش حالة من القلق الكبير بسبب كماشة الحصار الامريكي العسكري الكبير من الجهتين الشرقية (افغانستان) والجنوبية الغربية (العراق ومياه الخليج) ووجود اكثر من 300 الف جندي امريكي في هذين البلدين في ظل ادارة امريكية لم تتردد في وضع ايران ضمن محور الشر( خطاب الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش)، والحديث الدائم عن امكانية شن هجوم ضد طهران لاسقاط النظام فيها.

الرؤية الايرانية في حينها قامت على ضرورة الحوار الايراني العربي وعلى

  • خروج جميع القوات الاجنبية، خصوصا الامريكية في المنطقة العربية ومياه الخليج.

  • منع انتقال امن المنطقة الى قوات حلف الناتو.

  • وضع نظام اقليمي امني بقيادة ايرانية يتولى الحفاظ على امن المنطقة.

وعلى الرغم من الايجابية او ما اطلق عليه حينها وزير الدفاع الايراني الادميرال علي شمخاني "الحياد الايجابي" من الجانب الايراني في التعامل مع الجيوش الامريكية في افغانستان والعراق، الا ان واشنطن لم تبد اي اشارات ايجابية تجاه هذه الرؤية، التي طرحتها طهران لتكون مدخلا لاغراء واشنطن للتفاوض معها بناء على ما سبق من تعاون غير مباشر، ان كان من خلال قناة بون حول افغانستان بقيادة محمد جواد ظريف الذي كان يشغل حينها منصب المندوب الدائم لايران في الامم المتحدة، او من خلال ظريف نفسه حول قرار الحرب على العراق.

الرفض الامريكي للتعامل مع اي ايجابية ايرانية في المنطقة، يعود في احد اسبابه وبناء على رأي حسين موسويان كبير المفاوضين في الملف النووي حينها، يعود الى سببين رئيسين هما:

  • الاستراتيجية الامريكية التي كانت تقوم على اساس تغيير النظام

  • ان التنسيق الايراني وطرح المشروع جاء بناء على مفاوضات ايرانية – اوروبية، وهو ما ترفضه الادارة الامريكية التي لا تريد منح الاوروبيين اي دور في حل اي نزاع دولي.

وبرز هذا البعد في العلاقة الامريكية الاوروبية واضحا في اطار المفاوضات حول الملف النووي، الذي وعلى الرغم من توصل الترويكا الاوروبية - سولانا الى تفاهمات مبكرة حول تعليق البرنامج النووي الايراني، الا ان المفاوضات الجدية لم تنطلق وتصل الى ما وصلت اليه من اتفاق عام 2015 الا بعد دخول الامريكي كمفاوض أساسي في هذا الملف، واستطاع جون كيري وزير الخارجية الامريكي فرض الاتفاق على الرغم من الصوت الفرنسي المعارض حتى اللحظة الاخيرة قبيل التوقيع.

وقد حاول الرئيس الايراني السابق محمود احمدي نجاد، من خارج سياق استراتيجية النظام ان يدخل في مفاوضات مباشرة مع الادارة الامريكية حول الملفات الاقليمية الخلافية، وذلك اثناء الجلسة التي عقدت لمجموعة 5+1 في العاصمة العراقية بغداد في مايو 2012، الا ان المرشد الايراني ومعه مراكز القرار الاستراتيجي اتفقت في موقفها الرافض لهذه الخطوة مع ادارة البيت الابيض، وبذلك فشل احمدي نجاد ان يسجل هذا الخرق باسمه.

الاستراتيجية الايرانية في رفض الربط بين مفاوضات الملف النووي والملفات الاقليمية ازداد وضوحا بعد التطورات التي شهدتها بعض الدول العربية والانتفاضات الشعبية التي شهدتها، خصوصا في سوريا والبحرين واليمن، اضافة الى المستجد العراقي الذي برز بعد الانسحاب الامريكي من هذا البلد عام 2011 وتحول العراق الى ساحة للاعب الايراني دون منافس اقليمي وبشراكة مع الامريكي.

التعنت الايراني في رفض التفاوض حول التمدد في الاقليم والنفوذ المتزايد في العديد من الساحات، ارتفعت وتيرته بعد عام 2012 وبداية تحقيق اختراق وتحول على الساحة السورية بعد دخول الحليف الاول لطهران – حزب الله اللبناني على خط الازمة السورية، وبعدها في عام 2014 بعد سقوط ثلث مساحة العراق بيد تنظيم داعش. وقد استطاع رئيس الدبلوماسية الايرانية محمد جواد ظريف ان يقود المفاوضات النووية والصمود امام المطالب الامريكية في تحقيق خرق في هذه الملفات والتوصل الى اتفاق تاريخي مع ادارة باراك اوباما من دون تقديم تنازلات، لا بل حصل على شبه تفويض امريكي بالتعامل مع هذه الملفات وحلها على طريقته ولصالحه.

التوسع الايراني الذي انتشرت خيمته على اربع عواصم عربية حسب تعبير علي يونسي وزير الامن الاسبق في عهد الرئيس محمد خاتمي بدأ يتحول عبئا على القيادة الايرانية مع وصول دونالد ترامب الى الرئاسة الامريكية، وتصاعد ازمة طهران مع تعيين جان بولتن كمستشار للامن القومي الامريكي، اي ما يعني عودة الادارة الامريكية الى سياق الاستراتيجية السابقة التي تخلى عنها اوباما والتي تقوم على مبدأ العمل للاطاحة بالنظام الايراني وتغييره، يسانده في هذا التوجه وزير الخارجية مايك بومبيو، وذلك على خلفية الدور الاقليمي لايران وضرورة العمل على الوقوف بوجهه وان تطلب ذلك تفجير الساحة الايرانية من الداخل واحداث تغيير في النظام من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة بما يتفق مع رؤية ترامب في رفض الدخول في حرب مباشرة جديدة.

تبلور التوجه الامريكي الجديد، دفع الرئيس الايراني حسن روحاني صاحب الانجاز التاريخي في التوصل الى الاتفاق النووي، الى ان يؤكد على استعداد ايران للدخول في مفاوضات حول مختلف الملفات مع الادارة الامريكية اذا ابدت هذه الاخيرة التزاما بما تعهدت به في الاتفاق النووي.

مرة جديدة اصطدم توجه روحاني بجدار رفض دائرة القرار الاستراتيجي للنظام، ما دفع به الى تقديم رؤيته لحل ازمات المنطقة من خلال طرح موضوع "المنطقة القوية او الاقليم القوي" بديلا عن "الدولة القوية" في الاقليم، وبالتالي الدفع باتجاه تفاهمات اقليمية خصوصا مع الدول الخليجية في مقدمتها المملكة العربية السعودية للتفاهم حول نظام اقليمي يفرض بشكل طبيعي دورا رياديا لايران بما تملكه من اوراق وتأثير في عدد من عواصم المنطقة، ويؤدي بالتالي الى عزل التمدد الاسرائيلي- الغريم الرئيس لايران في المنطقة- والعمل على تقليل توسيع نفوذها والقضم من حصة ايران في المنطقة.

مشروع "الاقليم القوي" والذي يبدو انه تحول الى اجندة لعمل وزارة الخارجية الايرانية في المرحلة المقبلة استعدادا لامكانية اي تفاوض جديد مع الادارة الامريكية، أرفقه ظريف بالتعبير عن مساعي ايران لابعاد اللاعب الاسرائيلي عن دائرة القرار المستقبلية في المنطقة من خلال التأكيد على ان "منطقتنا فيها الكثير من المستبدين البلطجية المغرورين بانفسهم ولم يأتوا سوى بالحروب والظلم، وما نحن بحاجة له ليس مستبدين البلطجية، بل اقليم قوي".

وقد حدد ظريف الشروط  المباشرة للوصول الى تحقيق هذا المشروع من خلال التأكيد ان اقامة "اقليم قوي" بحاجة الى:

  • حوار بين دول المنطقة

  • احترام القوانين الدولية

  • عدم استبعاد اي من دول المنطقة

  • امن المواصلات

  • التعاون الاقتصادي

  • تعزيز العلاقات بين الشعوب

ظريف الذي لم يتطرق في شروطه الى الجانب الامني والعسكري والنفوذ والهيمنة الايراني في المنطقة خصوصا على قرار بعض الدول الاساسية والادوار التي تقوم بها في دول اخرى، لم يحدد ايضا كيفية وطرق تقليل المخاوف لدى دول المنطقة من هذا الجوانب وهل ستقبل ايران بان تطرح هذه الابعاد على طاولة اي مفاوضات محتملة، وما هو الثمن الذي من المفترض ان تقدمه طهران للراعي الامريكي وما فيه من اشارات طمأنة للغريم الاسرائيلي؟!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها