آخر تحديث:06:23(بيروت)
الخميس 08/11/2018
share

شظايا أميركية

لوري كينغ | الخميس 08/11/2018
شارك المقال :
  • 0

شظايا أميركية Getty ©
كل شيء خلال الفترة التمهيدية للانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي كان غير مسبوق. الخطاب القومي الأبيض الفاضح، والتحول الهائل للناخبين، والمبالغ الضخمة من الأموال التي تم غرسها في صناديق حملات الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء، وخوف الرئيس وحذره، وكلماته المثيرة في عشرات الحملات الانتخابية في جميع أنحاء البلاد. إضافة إلى ذلك، فإن الأحداث المروعة التي وقعت في شهر أكتوبر، بداية من تأكيد القاضي بريت كافانو للمحكمة العليا، وقنابل البريد المتفجرة، وإطلاق النار الجماعي المروع في كنيس بيتسبيرغ، كلها أدت إلى توترات غير مسبوقة ومخاوف من الاقتراع في دولة تعاني الاستقطاب بشكل متزايد.
الآن، في ضوء النهار في الصباح التالي للانتخابات، نرى أن النتائج لم تكن دراماتيكية أو تحولية كما توقع العديد من المراقبين. نعم، لقد استعاد الديموقراطيون مجلس النواب للمرة الأولى منذ عام 2010 بفارق كبير، والمرشحات، وخاصة النساء المتقدمات "الملونات"، حققن نتائج جيدة بشكل عام. لكن لم يكن هناك "موجة زرقاء". على مستوى البلاد، قدمت انتخابات حكام الولايات نتائج مختلطة. فقد خسر سكوت وولكر الجمهوري في ولاية ويسكونسن، لكن الديموقراطي أندرو غيلوم خسر في ولاية فلوريدا، وفقد فرصة أن يكون أول حاكم أسود في الولاية. 
وحتى هذا الصباح، لا تزال جورجيا لم تحسم نتائجها، حيث أن الأصوات متقاربة جداً من أن يعلن أي طرف الفوز، كما أن المرشحة الديموقراطية ستايسي أبرامز، ترفض التنازل. إن احتمالية التلاعب بالأصوات وغيرها من الحيل الانتخابية في اقتراع جورجيا عالية. ريان كيمب المنافس الجمهوري، هو وزير الخارجية الحالي لجورجيا، وهو بذلك يشرف على الانتخابات. وكان حاكم جورجيا والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الخبير في مراقبة الانتخابات، قد أثر خلال الأيام الأخيرة من الحملة القول إنه لا ينبغي السماح لكيمب باستخدام منصبه للتأثير على الانتخابات. اليوم في "الأتلانتيك" لاحظت الكاتبة كارول أندرسون أنه إذا كان "سباق حاكم ولاية جورجيا قد وقع في بلد آخر، لكانت وزارة الخارجية الأميركية تحقق في شرعية الانتخابات". من الممكن أن يتمكن الديموقراطيون من الحصول على مقعد آخر، لكن هذا لن يكون كافياً لانتزاع مجلس الشيوخ من سيطرة الحزب الجمهوري.
الجمهوريون ليسوا في حداد اليوم. هم بعيدون عنه. لم يحتفظوا فقط بل قاموا بتعزيز سيطرتهم على مجلس الشيوخ، مع هزيمة اثنين من أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيين في قلب البلاد، هايدي هيتكامب من نورث داكوتا وجو دونيلي من ولاية إنديانا. في وقت مبكر من صباح الأربعاء، قام ترامب بالتغريد بأن الانتخابات النصفية كانت انتصاراً عظيما له، كل شيء عنه دائماً!، متجاهلاً، أو ربما لا يدرك، أن سيطرة الديموقراطيين على مجلس النواب سوف تتضمن تحقيقات في ضرائبه وممارساته الفاسدة، كعوائق لبعض أهدافه الأكثر تطرفاً. من المحتمل أنه لا يفهم حتى كيف يعمل الكونغرس. بعد كل شيء، يعتقد أنه يمكن تغيير الدستور ببساطة عن طريق التوقيع على أمر تنفيذي لوقف المواطنة للأطفال الذين يولدون على الأراضي الأميركية.
على المستوى الوطني، وعلى كل المستويات - الفيدرالية والولايات والبلدية - أراد الديموقراطيون أن تكون نتائج الانتخابات النصفية توبيخاً درامياً ورفضاً لدونالد ترامب. لا تزال الكآبة التي خلفتها الانتخابات الرئاسية عام 2016 تطارد الديموقراطيين من جميع أنحاء الطيف الليبرالي، ولا تزال الصراعات والاتهامات تتردد بين مؤيدي هيلاري كلينتون والسيناتور بيرني ساندرز. وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات في مجلس النواب، ومع ذلك فإن الانتخابات النصفية لم تكن توبيخاً لترامب، بل أكثر كانت تعليقاً على مصير الحزب الديموقراطي. تكشف نظرة فاحصة عن الفائزين في سباق مجلس النواب أن وجهات نظرهم ومنصاتهم وقواعدهم الانتخابية أقرب بكثير إلى آراء ساندرز منها إلى كلينتون، وأبرزها أليخاندرا أوكاسيو كورتيز من نيويورك ورشيدة طليب من ميتشيغن، وهذه الأخيرة هي أول مسلمة فلسطينية تنتخب في الكونغرس. ساندرز ساهم بنشاط في حملات المرشحين الديمقراطيين لمجلسي النواب والشيوخ، لكن كلينتون كانت غائبة بشكل ملحوظ، ومما لا شك فيه أنها كانت محاطة من قبل قيادة الحزب الديموقراطي.
كانت أكبر خيبة أمل للديموقراطيين هي نتيجة سباق ولاية تكساس. بيتو أوبروك، شاب، يتمتع بشخصية كاريزمية، تقدمي، وحيوي يخسر بفارق ضئيل أمام الجمهوري تيد كروز. قام أوبروك بتعبئة قاعدة شعبية واسعة في هذه الولاية الرئيسية، وعلى الرغم من خسارته، إلا أن هامش الهزيمة كان ضيقاً بشكل مزعج بالنسبة للجمهوريين ويشير إلى تحول زلزالي محتمل لتكساس في انتخابات 2020. ينظر الآن إلى أوبروك، الذي يمكن أن يكون عضواً في عشيرة كينيدي، كمرشح ديموقراطي محتمل للرئاسة لعام 2020، وسيكون جذاباً للغاية للشباب، واللاتينيين، والنساء، والنقابات العمالية. لا يوجد منافس بارز على قمة التذكرة الديموقراطية في عام 2020، وهو مؤشر إلى الفوضى والشقاق والتشرذم على اليسار.
قد يكون "التشظي" هو المصطلح الأفضل لوصف نتائج الانتخابات النصفية الأميركية. يزداد انقسام البلاد واستقطابها، ليس فقط أيديولوجياً، ولكن أيضاً جغرافياً وديموغرافياً كذلك. يبدو أن الولايات الجنوبية تتوق للعودة إلى الكونفدرالية. بين صعود القومية البيضاء العنيفة، والمشاعر المعادية للمهاجرين، وسياسة المرارة التي تلقي بالبيض من الطبقة المتوسطة والفقراء كضحايا للعولمة في الولايات المتحدة، يبدو أن الجنوب و"الأبلشيا" يعيشان في عالم مختلف تمامًا - الحقيقة المضادة المستوحاة من ترامب – عن معظم الناخبين في المناطق الحضرية والضواحي في شمال وشرق وغرب البلاد. يأخذ التشظي أيضًا شكلًا جنسانياً. لا سيما في عصر #METOO وفي أعقاب جلسات الاستماع وتأكيد كافانو، المرأة تأخذ زمام المبادرة في مقاومة ترامب وكل ما يمثله، كما هو واضح في العديد من انتصارات النساء في انتخابات الأمس من المستوى المحلي إلى الولاية إلى المستوى الوطني.
بعد أن تبنى بشكل لا لبس فيه وصف "القومية" الشهر الماضي، كان ترامب دون شك الرئيس الأكثر عنصرية وديماغوجية في تاريخ الولايات المتحدة. التشظي داخل الحزب الجمهوري واضح. يتزايد قلق قادة الجمهوريين التقليديين من تشويه سمعة ترامب للمكسيكيين والقادمين من أميركا الوسطى، الذين شوهدوا بشكل دراماتيكي في حديثه عن قافلة المهاجرين الذين يسافرون إلى الحدود الأميركية المكسيكية. أي مستقبل للحزب الجمهوري سيتطلب نقاشات وسياسات أكثر شمولاً ترحب بالكتل الانتخابية غير البيضاء المتزايدة في الولايات المتحدة وتناشدها. هذه الكتل التي يشكل اللاتينيون قاعدة انتخابية رئيسية فيها، يبذل ترامب قصارى جهده للتخلص منهم وصدهم، ويثير قلق الجمهوريين المعتدلين.
التشظي في الحزب الديموقراطي أصبح مفتوحاً منذ صيف عام 2016، عندما كان المناصرون لكلينتون وساندرز يتقاتلون في المؤتمر القومي للحزب الديموقراطي. كان فوز ترامب في عام 2016 يرجع في جزء منه إلى العديد من الناخبين الديموقراطيين الذين بقوا في منازلهم، بافتراض فوز هيلاري، لكنهم لا يريدون إقراضها أصواتهم. ومن بين الحشود الهائلة التي خرجت للتصويت في أنحاء البلاد أمس، كان كثيرون يأسفون لعدم التصويت في عام 2016. والآن بعد أن انتهت الانتخابات، مع سيطرة الديموقراطيين بقوة على مجلس النواب، بدأت للتو المعركة الديموقراطية الداخلية. هل ستعود نانسي بيلوسي إلى منصب رئيس مجلس النواب؟ هل ستتمكن المجموعة الجديدة من النساء المتقدّمات الملونات من تحدي السياسة كالمعتاد في "وول ستريت" الحزب الديموقراطي؟ هل سيصارع الديموقراطيون بشأن المدى الذي يمكن اتباعه لمقاضاة ترامب؟ ما هي فرص الشراكة بين الحزبين حول القضيتين الرئيسيتين اللتين ذكرهما معظم الأميركيين على أنهما حاسمتان: الرعاية الصحية والبنية التحتية للأمة؟
الجمهوريون الذين أعلنوا صراحة قبل عقد من الزمن أن هدفهم الرئيسي هو إلقاء العقبات في طريق أي شيء اقترحه الرئيس السابق باراك أوباما لا يزالون في مجلس الشيوخ، ومن بينهم زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل من كنتاكي. وسوف يقرأ نتائج الانتخابات التي جرت يوم أمس كتأكيد على أن سباق الاصطياد، وإضفاء الشيطانية على الديموقراطيين، وإعطاء ترامب مكاناً واسعاً للقيام بما يرضيه هو استراتيجية رابحة.
بعد كل هذا الصراخ والغضب، وكل الأموال التي أنفقت، والآمال التي أثيرت وتلاشت، والوظائف السياسية الجديدة التي أطلقت أمس، ما زلنا نواجه الشلل في الكونغرس، الذي تمت تجزئته الآن إلى مجلس شيوخ جمهوري يتمتع بسلطة تقديم النصح والموافقة، ومجلس نواب ديموقراطي يواجه أزمة قيادة في صفوفه العليا. إذا كانت انتخابات التجديد النصفي بأي حال هي إشارة إلى أين تسير الولايات المتحدة، يمكننا أن نكون على يقين من أن الانتخابات الرئاسية لعام 2020 ستكون السباق السياسي الأكثر دراماتيكية وكلفة حتى الآن.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب