آخر تحديث:22:31(بيروت)
الأربعاء 03/10/2018
share

المرسوم 16 الذي لا قيمة له

إياد الجعفري | الأربعاء 03/10/2018
شارك المقال :
المرسوم 16 الذي لا قيمة له

تطلب الأمر من كاتب هذه السطور الكثير من القراءة والبحث، لفهم، لماذا ثار موالو النظام ضد المرسوم 16 الخاص بوزارة الأوقاف. والأغرب أن بعض النشطاء المعارضين وقعوا في المطبات التي وقع فيها قادة رأي في أوساط الموالين، قبل أن تتولى أقلام، اطلعت بالشكل المطلوب، توضيح الملابسات غير المبررة التي أثيرت حوله.


فالإطلاع الوافي على بنود المرسوم، يفضي بنا إلى تساؤل واستنكار موجه إلى قادة الرأي من الموالين: ما الذي أخافكم في المرسوم 16؟ فمن يجب أن يخاف من هذا المرسوم هم أولئك الذين على الضفة الأخرى من الموقف والرأي. إذ من المستغرب لـ "قائد رأي" داعم لنظام مستبد، أن يخشى من صك تشريعي، يقونن عملية استيلاء هذا النظام على كل ما يتعلق بالفكر الديني واجتهاداته، ونشاطات الدعاة المرتبطين به.


على الضفة الأخرى، لا يُلام أولئك الذين قللوا من خطورة المرسوم المذكور. فهو مجرد تكريس قانوني لأمر قائم على الأرض، منذ عقود، لكنه كان يتم بصيغة مخابراتية، قبل أن تُلبّس هذه الصيغة لباساً قانونياً، يجعلها مشرعنة، لا أكثر.


فمتى كان خطباء المساجد في سوريا غير خاضعين للمخابرات سواء من حيث التعيين أو من حيث مضمون خطبهم؟ كانت تلك من مهمات جهاز "الأمن السياسي" في سوريا. والآن أصبحت من مهمات وزارة الأوقاف التي تمثّل "علماء السلطان" في سوريا، الذين لم ينحرفوا يوماً، قيد أنملة، عن ما يخدم مصالح هذا النظام.


بل أبعد من ذلك، يبدو أن المرسوم 16 يكشف عن قناعة جديدة لدى النظام، بأن "علماء السلطان" أكثر جدارة في القبض على "الدين" و"التدين"، لصالح النظام، من المخابرات نفسها، التي فشلت في تجنيب النظام خطر الانهيار بعد أن تحولت المساجد إلى منصات للتجمع وترتيب التظاهرات في العام 2011.


مرسوم الأوقاف الجديد، تعبير عن ثقة النظام في النخبة الدينية التقليدية المتحالفة معه. ذهبت هذه الثقة إلى مداها الأبعد، خلال سنوات الثورة، بعد أن ارتضت هذه النخبة تكريس "الدين" لصالح النظام حتى مع سيول الدماء التي انهالت في الشوارع. فكانت الحصيلة أن "الأوقاف" باتت أكثر جدارة من جهاز "الأمن السياسي"، في إدارة المساجد وخطبائها، لا أكثر.


لكن، في الوقت نفسه، لا يُلام أيضاً أولئك الذين تحدثوا عن مخاطر المرسوم، على الضفة المعارضة. فهو يمثّل استلاباً للدين وللتدين، من جانب النظام السياسي الحاكم. هو بخلاف ما أثاره الموالون من ضجيج حوله، مزيد من انغماس السياسة في التحكم بالدين وتطويعه ليكون إحدى أدوات ترسيخ الحكم الشمولي القائم.


ونستطيع أن نقول للخائفين من "دولة دينية" في سوريا، أن المرسوم يدفعنا للصراخ بأعلى صوتنا، "أنقذوا الدين من قبضة الأسد". فمع المرسوم الجديد، لن تكون هناك فتوى، ولن يكون هناك اجتهاد، إلا ذلك الذي يقرره مجلس "فقهي" يعيّنه النظام، ويضم "علماء" يمثلون كل المذاهب الإسلامية، ممن يرتضيهم النظام كممثلين لأجندات حكمه.


لكن، نرجع مرة أخرى إلى ضفة أولئك الذين يقللون من خطورة المرسوم، وقيمته. ففي نهاية المطاف، ما يزال النظام يفكر بعقلية السيطرة الشمولية المباشرة على كل شيء، في وقتٍ لم يعد من الممكن السيطرة على أي شيء، بعد انفتاح العالم، على وسائل تواصل، تكسر كل الحواجز. فما سيمنعه النظام عن السوريين في المساجد، سيستمعون إليه عبر اليوتيوب أو سيقرأون عنه في فيسبوك. لا يستطيع النظام فرض "العمامة" التي يريد على السوريين، فهم قادرون ببساطة، وبكبسة زر، أن يستمعوا لـ "عمامة" أخرى، يشعرون أنها أكثر صدقية.


لا يبدو أن النظام تعلّم شيئا ًمن سنوات محنته، التي لم تنتهِ بعد، منذ ثورة العام 2011. فهو ما يزال يبحث في سبل إعادة بناء حاجز الخوف في أوساط السوريين، وتكريس تحالفه مع قوى مجتمعية، من بينها النخبة الدينية التقليدية، بغية إحكام سيطرته على كل مفاصل الحياة في سوريا. في هذا العصر، لم تعد القوة الخشنة والمباشرة قادرة على ضمان استقرار طويل الأمد. فحالما تتغير موازين القوى، وهي عرضة للتغيّرات الدائمة، سرعان ما ينهار حاجز الخوف، وتتهاوى أقنعة الخنوع في أوساط الشعوب.  


أما على صعيد الفكر الديني ذاته، الذي يحاول النظام إحكام السيطرة عليه في سوريا، فهو يسير في ذلك، عكس مسار التاريخ. فكل المؤشرات في منطقتنا، توحي بأن جيل الشباب يعيش حالة ازدراء تجاه "العمامات" التقليدية التي تحالفت مع الأنظمة أثناء سفك الدماء خلال ثورات الربيع العربي. ومع انغماس هذا الجيل أكثر، في عالم التواصل الاجتماعي غير المضبوط، لا يمكن لمناهج السيطرة الخشنة والمباشرة أن تفلح في ضبط توجهاته. فالتاريخ في منطقتنا يسير باتجاه كسر كل القيود التقليدية، المجتمعية، والدينية، وسواها. وهي نتائج معروفة للثورات، التي تؤدي مآسيها في معظم الحالات التاريخية، إلى تغيرات نوعية في القناعات المجتمعية والدينية، في أوساط الشعوب التي تعاني ويلاتها.


خلاصة لما سبق، لا يبدو أن المرسوم 16 سيغيّر بشكل نوعي، شيئاً مما هو قائم في سوريا. فثورة عام 2011، كشفت بشكل جلّي، أن معظم أدوات السيطرة الداخلية، التي اعتمدها النظام، لم تكن كافية لبقائه، وأن ما أنقذه هو التدخل الخارجي. وبعد أن أنهكته سنوات الثورة وسلبته معظم عوامل القوة الداخلية، لم يعد بقاء النظام، إلا رهناً فقط بالتدخل الخارجي، والمعادلات الحاكمة لهذا التدخل.







شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها