آخر تحديث:10:01(بيروت)
الأربعاء 03/05/2017
share

خطوط التماس: "واقعية" الروس

عبدالله أمين حلاق | الأربعاء 03/05/2017
شارك المقال :

الاقتراح الروسي الأخير الذي كشفته المعارضة السورية، والقاضي بإقامة "مناطق خاصة في سوريا" تهدف إلى "التخفيف من حدة التوتر بين قوات النظام وقوات المعارضة"، هو اقتراح لا يمكن فصله عن سلسلة من التصريحات والاقتراحات والمواقف التي تلت الضربة العسكرية الأمريكية على مطار الشعيرات قرب حمص في إبريل/ نيسان الفائت. يستمر الروس في سياسة التصريحات والاقتراحات التي تحمل دائماً ما هو جديد على الصعيد الإعلامي واللفظي فقط، مرة بدواعي "تخفيف حدة التوتر" بين النظام ومعارضيه، ومرة ثانية بالتشديد على أهمية حضور فصائل المعارضة السورية المسلحة اجتماعات آستانة، وقبل ذلك: تأكيدهم على أن "حل الأزمة في سوريا هو حلٌّ سياسي وليس حلاً عسكرياً"، من دون إغفال ما يعنيه الحل السياسي بالنسبة لموسكو وتصورهم لهذا الحل، لناحية تمسكهم ودفاعهم عن رأس النظام، بشار الأسد، حتى الآن على الأقل.

اللافت هذه المرة، أن التبسيط الروسي والاستخفاف بعقول الناس بلغ ذروته، في الحديث عن "تخفيف حدة التوتر" بين طرفي الصراع. فكأننا أمام طرفين "يختلفان" ومنذ 6 أعوام، "خلافاً" عابراً حول قضية بسيطة شابَ العلاقات بين "الطرفين" بسببها بعض التوتر. فإذا ما "خُفّفَ التوتر" أو نُزع فتيله وحُّلت الأزمة حلاً ما، عادت المياه إلى مجاريها، وعادت الرابطة التي تجمع السوريين بعضهم مع البعض الآخر.

لكن، يحمل التصريح الروسي آنف الذكر والذي نقله "عضو الهيئة العليا للمفاوضات" فاتح حسون، تناقضين غير بريئين، يتلخص الأول بـ"السذاجة المتعمدة" في تصوير المقتلة السورية باعتبارها "توتراً" بين النظام وعموم معارضيه، بينما يتلخص الثاني في "إدخال قوات من دول محايدة إلى خطوط التماس". ذلك أن "توتراً" على النحو الذي يصوره فيه الروس يفترض ألّا يستدعي قوات فصلٍ وتحديدَ مناطق يجري العمل فيها بهذا الاقتراح: إدلب، شمال حمص، الغوطة الشرقية وجنوب سوريا.

وإذا كان الموقف الروسي دوماً مجال سخرية منه تبعاً للدوافع التي يصدر عنها، واصطفاف الكرملين مع بشار الأسد، فإنه يمكن القول أن الروس استشرفوا هذه المرة ما يمكن أن يكون عليه حال البلاد بعد أن تضع الحرب مع النظام أوزارها، أي:"خطوط التماس"، بعد كل هذا الاحتراب.

تثابر شرائح واسعة من المهتمين والمتابعين لوقائع الحرب السورية اليوم، على اعتبار أن الحل السياسي المفترض والمنتظَر سيكون بوابة تذليل العقبات التالية له. هذا كلام وجيه، إذا ما اعتبرنا أن التأكيد على الحل السياسي العادل للقضية السورية والذي يشمل، على الأقل، رحيل بشار الأسد وعائلته عن الحكم، ضرورة وجودية بالنسبة للسوريين المعارضين وعموم المتضررين منه، والفصائل والتيارات السياسية المعارضة فعلياً لهذا النظام. لكن، لا يتم تناول انعكاس ما طرأ على الأرض السورية بعد الثورة من تحولات ومناطق نفوذ وتهجير ديموغرافي وآخر طائفي إلا لماماً. هي تحولات ترقى إلى مصاف الانزياحات الكبرى أكثر منها تحولات سياسية. بل هي ليست من السياسة في شيء، إذا ما اتفقنا أن البراميل وغاز السارين، على سبيل المثال لا الحصر، هي أدوات غير سياسية، الأمر الذي لم يلحظه الروس لدى الحديث عن "تخفيف التوتر".

أما في ما خصّ "خطوط التماس"، فإن مناطق ليست بالقليلة يسيطر عليها "داعش" اليوم قبل هزيمته القادمة في الرقة، وهي مناطق ستكون لاحقاً خارج حدود سيطرة النظام "هذا فألُ حسنٌ على أي حال"، من دون أن يكون مصيرها ومصير نمط وآليات الإدارة والحكم في تلك المناطق واضحين حتى الآن. مناطق الأقليات، المسيحيون والعلويون والاسماعيليون والدروز هي مناطق تقع اليوم تحت سيطرة النظام، بينما تسيطر المعارضة المسلحة بـ "معتدليها" و"جهادييها" على مناطق أخرى، وسط حضور دولي جوي وبري أميركي وأوربي وروسي وميليشات طائفية تقاتل هنا وهناك. هذا كله يستدعي سؤالاً كبيراً يتعلق بمستقبل الأرض السورية، ليس لناحية قيمتها كــ"أرض ورمز" وغير تلك من مفردات، بل لناحية سوريا كلها ككيان كان موجوداً لعشرات السنين وتكفلت 6 سنوات من اعتماد الحل الحربي من قبل الأسد في جعله ساحات متعددة ينتصب بعضها في مواجهة البعض الآخر. يضاف إلى ذلك، جماعات أهلية وطائفية تقطن في هذه المنطقة أو تلك، كان العنف المنقطع النظير رافد الاحتقال الطائفي بينها وبين المناطق – الطوائف الأخرى، ما لم يكن هناك ضابط دولي حقيقي ومجتمع دولي يسرع عجلة الانتقال السياسي تمهيداً للحل الطويل الأمد الذي سيلي هذا الانتقال، وهو علاج ما لحق بالمجتمع السوري من نوازل ومِحن ستشغل السوريين ردحاً من الزمن.

لا يزال الوقت مبكراً على هذا الكلام! ربما. لكن التصوّر العام للمستقبل انطلاقاً من واقع الحال اليوم ليس كفراً وخيانة. كان من الممكن أن تبقى سوريا على امتدادها الجغرافي والسياسي المعروف لو قيض للعملية السياسية أن تسير بالتفاهم بين السوريين ومعهم النظام، قبل الثورة أو حتى بعدها. أما وقد مُحيَت ذاكرة المكان لدى السوريين المنتفضين اليوم، تهجيراً ديموغرافياً إلى خارج البلد وتهجيراً طائفياً في داخله، فالأمر ليس بالبساطة التي تتصورها "نُخب" النهايات السعيدة. وربما كان إنصاف الضحايا يقتضي المشاركة في التفكير والتساؤل حول ما يمكن عليه أن يكون شكل بلدنا بعد نهاية حرب لا بد أن تنتهي، ورحيل زمرة حاكمة لا بد أن ترحل ذات يوم، بعيداً عن إيديولوجيات مستوحاة من الزمن الذي لن يعود، وبعيداً أيضاً عن مصادرة حق من بقي في سوريا في قول كلمته لاحقاً بحق علاقته مع الآخر بآليات وربما استفتاءات حرّة لأول مرة، يقرر فيها السوريون كيف يمكن لهم أن يعيشوا في عقد جديد على أرضٍ مادَت من تحت أقدامهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها