آخر تحديث:14:11(بيروت)
السبت 25/11/2017
share

كوريا الخمينية

عبدالله أمين حلاق | السبت 25/11/2017
شارك المقال :

أعلن زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، حظْرَهُ عدداً من المظاهر وطقوس "اللهو والمرح" في البلاد، من قبيل الرقص وشرب الخمر وغيرها من وسائل التسلية. الخبر يمكن أن يكون، بالمعنى المجرد، "شأناً داخلياً" كورياَ شمالياً. لكن طالما أن محور "الممانعة والمقاومة" في منطقتنا سيكون معنيّاً بالموضوع في حالتنا هذه، لا مانع إذاً من التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى بسهولة وبكل راحة ضمير.

يحمل الخبر الآتي من كوريا الشمالية تلاقياً غير مقصود وغير مباشر مع محور إيران، ربما يبعث على الارتياح الآني لدى هذا المحور وحلفائه، هم الغارقون في معارك شتى وعديدة. لم يُعرف وجود تنسيق بين كوريا كيم جونغ أون من جهة، وبين إيران ومحورها من جهة ثانية. الالتقاء بينهما موضوعي هذه المرة، وذلك على خلفية قرار الزعيم الكوري الشمالي. وعليه، من المفترض أن يرتاح "آيات الله" و"السادة" ومليشياتهم في المشرق العربي إذ عادت إحدى دول التصدي للمشروع الأمريكي في العالم "إلى جادة الصواب"، حيث لا خمر ولا رقص ولا من يحزنون! التلازم بين "مقاومة الشيطان الأكبر ومشاريعه" من جهة، وبين تلاقي رموز هذه المقاومة على "أسس أخلاقية" ثابتة هو ما من شأنه أن يقوّيهم في وجه أعداءهم، خصوصاً إذا كان هؤلاء "الأعداء" ممن يريدون بلداناً عادية وحياة عادية وحريات سياسية واجتماعية.

لكن، ثمة كثيرون من "العلمانيين" العرب يتفقون مع اليمّ الخميني وسياساته وحروبه في المنطقة، على أرضية "المقاومة" التي تضمحلّ وتذوب معها كل علاقة حضيضية لذلك المحور مع مسألة الحريات والمجتمع، ومع الحياة دون حروب وسلاح في لبنان، ودون عمليات تهجير وتطهير مذهبي في سوريا والعراق. المسائل الاجتماعية تصبح تفصيلاً وهامشاً لدى هؤلاء "الممانعين العلمانيين" لصالح المتن: المقاومة. واستطراداً، كان معارضون سوريون كثر أيضاً، قد آثروا تهميش علاقة الكثير من الكتائب المسلحة المقاتلة ضد النظام في سوريا مع الحريات ومع الآخر المختلف بالدين والمذهب ونمط الحياة، لصالح المعركة الأساسية الكبرى مع النظام، رغم ما ارتكبته تلك الفصائل من انتهاكات لا يزال عدّادها مفتوحاً على المزيد. على الرغم من ذلك، يبقى محور إيران وحلفاؤه هم أصحاب براءة الاختراع في هذا الصدد، بحكم العمر الزمني الطويل لهذا المحور نسبياً، وبحكم باعه الأطول في التلفيق لبلوغ الأهداف.

الازدواجية والانتقائية لدى هؤلاء "العلمانيين" تبدت بشكل واضح وجليّ مع وصول موجة الثورات العربية إلى سوريا عام 2011. هم أنفسهم الكتّاب والمثقفون الذين كانوا يكتبون المطوّلات في مديح الثورة المصرية "ضد نظام حسني مبارك الذي يعقد لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين". منهم من صمتَ في أفضل الحالات عندما دق الشعب السوري جدران مملكة الصمت، أو أعلن دعمه العلني للأسد وحلفائه في المنطقة وعلى رأسهم إيران، ولا مانع من تنويعات روسية أضيفت مؤخراً إلى سجل الكتابات عن ذلك الحلف غير المقدس.

ومع تحول الثورة السورية إلى صراع مفتوح وحرب أهلية في جوانب كثيرة منها، وتحوُّل سوريا إلى ساحة لصراعات دول المنطقة ودول أخرى في العالم، بات من السهل نسب كل معارضي المحور "المقاوم" إلى محور البلدان "العميلة" و"الداعمة للإرهاب"، والاتهام بــ "الخيانة" و"الارتزاق" و"الانبطاح".. الخ من مصطلحات.

هكذا، وفي الوقت الذي تخوض فيه إيران وميليشياتها واحداً من أبرز وأوضح أشكال الصراع المذهبي في العالم اليوم، يصطفّ كتّاب ومثقفون عرب وسوريون، وحزبيون من تنظيمات يسارية وماركسية في خانة الدفاع عنها والولاء لها ولسياساتها في سوريا وعموم المنطقة، ممن وصفهم الزميل وسام سعادة في إحدى مقالاته بــ "الفرع العلماني من كشافة الممانعة"، وهم الذين "ما عادوا يتميزون عن الفرع الجدّي أو الأصولي إلا من حيث إيثارهم معاقرة الخمرة أو التميز في الزي، واعتماد معايير مقلوبة للحلال والحرام".

الخبر الآتي من كوريا الشمالية ليس ذو أهمية تذكر على صعيد منطقتنا، كما كل سياسات كيم جونغ أون، بحكم البعد الجغرافي لذلك البلد الموغل في الانغلاق. بعكس منطقتنا العربية التي فُتحت الجروح فيها وغرقت في القيح والاقتتال. إلا أن ذلك قد يكون إشارة إلى أن التجانس لا يقتصر على معاداة الغرب والولايات المتحدة الأمريكية فقط، بل ربما تعداه إلى ما هو أهم بالنسبة للبشر، وما هو أقل أهمية بالنسبة إلى القائمين على حكم هؤلاء الرازحين تحت بسطار "الصمود والتصدي"، أي الحريات السياسية والاجتماعية ونمط الحياة وحق الإنسان في اختيار أو عدم اختيار هذا النمط أو ذاك.

وأخيراً، وفي إطار الحديث عن "التجانس"، من المستبعد أن يُقدِم صاحب نظرية "المجتمع المتجانس"،  بشار حافظ الأسد، على خطوة شبيهة بتلك التي أقدم عليها رئيس كوريا الشمالية، ذلك أن "اللوك" العام لــ "الطبيب الشاب"، والذي درس في جامعات أوروبا، "حامي الأقليات"، تستدعي منه سلوكاً مغايراً، على الرغم من استمرار المطحنة المذهبية في سوريا والتي كان ولا يزال من أبرز رموزها، ماضياً في "حلمه" حتى النهاية ممثلّاً بدفع سوريا إلى نموذج كوري شمالي يضمن ذلك التلازم السحري بين "الاستقرار" و"المقاومة".  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها