الأحد 2017/10/15

آخر تحديث: 10:01 (بيروت)

الاستانة كخيار سوري وحيد

الأحد 2017/10/15
increase حجم الخط decrease

تؤكد المنصات السورية في الحكم والمعارضة وفي الداخل والخارج كلها على دعم مسار جنيف وصولا لتطبيق القرار 2254 بكامل بنوده، وكذلك في ما يتعلق بضرورة التقارب مع المنصات الأخرى على أساس أدنى هو تنفيذ بنود مواد هذا القرار الاممي  وصولا لمفاوضات مباشرة . لكن تطبيق تفاهمات الاستانة باتت تعني عمليا وبالنسبة للكثيرين ايضا فتح الطريق امام جدول اعمال سياسي البعد تقوده الدول الثلاث الضامنة روسيا وايران وتركيا باتجاه الحوارات المباشرة أيضا حول الانتقال السياسي وشروطه ومتطلباته الدستورية والامنية والاقتصادية .


المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا،كرر اكثر من مرة انه ابلغ المتفاوضين أن يكونوا مستعدّين في الجولات القادمة لمناقشة السلّات الأربع (الحكم الانتقالي، والدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب)، وقال ايضا بعد الجولة السابعة من مفاوضات جنيف "لم ننجز اختراقات، ونحن بحاجة لمساعدة المعارضة للعمل بشكل وثيق في ما بينها " لكنه لم يقل لهم اين وكيف ستكون عملية التفاوض ؟

دي ميستورا بدأ ايضا يفهم مسألة ارجاء اجتماعات جنيف اكثر من مرة على انها فرصة أكبر تقدم لطاولة الاستانة وانها من أولويات المرحلة القادمة بعد ترسيخ خطط مناطق خفض التصعيد والاستعداد لمناقشة السلال الأربع، بما فيها سلة الانتقال السياسي، في كازاخستان طالما ان جولة جنيف 8 في حكم المجمد .

القناعة اليوم هي أن قاعات جنيف تحولت الى منبر اخر للمواجهة بين النظام والمعارضة ، وأن ارجاء موعد اجتماعاتها مجددا قد يعني أن الممثل الاممي اقتنع بفكرة حمل النقاش الى كازاخستان هذه المرة طالما انها طاولة حوار اكثر عملية وفاعلية بالمقارنة مع ما جرى في جنيف طيلة 7 لقاءات دون تحقيق اي تقدم يذكر ؟


وفد النظام السوري والكثير من قوى المعارضة السورية لم تبد استعداداً في مفاوضات جنيف 7 لبحث موضوع الانتقال السياسي بانتظار انجلاء الامور في الاستانة 6 وهذا ما يجعل من سيناريو تفعيل وتوسيع مهام الاستانة على حساب اجتماعات جنيف المتشابكة والمتداخلة والكثيرة الاصوات والتفرعات ممكنا في المرحلة المقبلة .


كل ما جرى في لقاءات جنيف حتى الان كان عبارة عن اجتماعات مع المبعوث الدولي ومعاونيه، كل طرف على حدة، ومن دون التوصل إلى أي نتيجة . التطورات الميدانية والعسكرية على الارض في اطار اتفاقيات خفض التوتر على الجبهات والتركيز على محاربة الارهاب وحماية وحدة سوريا وتعطيل الخطة الاميركية المكشوفة عبر تجهيز حليفها المحلي لعرقلة اية تفاهمات سياسية وعسكرية هي بين الامور التي تقلب المعادلات راسا على عقب نحو صناعة طاولة حوار جديدة اسست لها تفاهمات الاستانة بعد 6 اجتماعات متلاحقة .


حقيقة اخرى لا بد من التسليم بها ايضا وهي انه لا يوجد بيد المعارضة السورية ما تراهن عليه من فرص واوراق سياسية تستخدمها في مفاوضات جنيف بعد الان وأن النظام السوري كذلك اقتنع اكثر فاكثر بفرص حماية حصته على ضوء تفاهمات الاستانة الثلاثية والمسألة تكاد تتحول الى قضية صون سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، وكل ذلك مقترن أيضا بمكافحة الإرهاب وهزمه وتعطيل مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الانفصالي لذلك تبرز حظوظ الاستانة اقوى ليكون بديلا قادرا على انجاز المهمة في المرحلة المقبلة .

قوى المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري وامام وضعها الحالي واستحالة رهانها على قلب المعادلات لصالحها في القريب العاجل وعجز النظام عن الامساك بورقة استرداد المبادرة على الارض بعد دعمه المكشوف للتوافق الروسي الإيراني التركي في مسار الأستانة، الى جانب بروز قناعة اقليمية ودولية بواقعية قرارات  خطط “خفض التصعيد”، و الحرب ضد الإرهاب (تنظيم داعش وجبهة النصرة وتضييق الخناق على حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال سوريا بعد تجربة المشهد في شمال العراق ) يمنح موسكو وانقرة وطهران المزيد من التأييد لمواصلة ما بدأوه في الاستانة 1 .

جنيف وصلت الى طريق مسدود بعد رغبة البعض في "وضع الجدول الزمني والعملي لدستور سوري جديد " . النظام رفض الاقتراح والمعارضة عارضته وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المغيب ذهب بمنحى تصعيدي يتحدى الجميع عبر اعلان الكانتونات الادارية المستقلة في بقعة جغرافية لا تصل حصته الى 5 بالمئة من حجم التمثيل الشعبي والسياسي فيها ، وموسكو تراجعت بسرعة عن عرضها لمسودة دستور سوري جديد مع اختتام محادثات أستانة في كازاخستان 4 .

الا يعكس كل ذلك حقيقة أن خطة ادلب المتعددة الجوانب بشقيها العسكري والسياسي تكاد توجز لنا مسار ومستقبل المرحلة المقبلة في تسوية الازمة السورية . بعض الوقت للتخلص من جيوب التشدد والارهاب وافهام واشنطن وحلفائها المحليين والاقليميين باستحالة قبول ما تريده وتعد له في سوريا .


في مكان اخر مؤشرات تخفيض التوتر السياسي تتقدم على الارض بين انقرة و دمشق . اهمها كان " تفهم " النظام لدخول وانتشار القوات التركية الى ادلب واقترابها من حدود عفرين وتهديدات وليد المعلم لوحدات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الاخيرة ان لا تبالغ في الحلم بعد هدية انقرة الاخيرة عبر قرار السلطات القضائية التركية اطلاق سراح الطيار السوري العقيد صوفان وتسليمه الى قوات النظام السوري في كسب .

المعارضة السورية رفضت التخلي عن جنيف لصالح الاستانة لكن هذا لا يعني بالضرورة رفضها لنجاح الاستانة واحتمال تفعيل دوره ومهامه اذا ما طال انتظارها لجنيف 8 الذي لن يكون مختلفا عن " جنيفات " سابقة عقدت كما يبدو . وزير الخارجية الكازاخي قال بعد اجتماع الاستانة 6 انه الاخير وان المهمة انجزت . لكنه تراجع عن كلامه بعد ساعات فقط ليعلن ان ابواب الاستانة ما زالت مفتوحة امام الجميع للمضي في خطة تحرك جديدة تساعد على انهاء الازمة السورية .

في العلن الجميع يردد ان لا تنازلات عن مسار جنيف لكن على الارض الكل يوافق على انجازات الاستانة واطلاق يدها اذا ما كانت ستستمر في توسيع مهامها باتجاه تسريع الحلول واخراج سوريا من مستنقعها . الشريك الأممي ستيفان دي ميستورا كان اول من يحضر للترحيب بالخطة الروسية في ادلب ووصفها بأنها تحرك في الاتجاه الصحيح لوقف حقيقي للقتال.

أنقرة ومن خلال توقيع اتفاقية أستانة 6 تاكدت مرة اخرى من حاجة موسكو إلى قفزة سياسية إلى الأمام تقطع الطريق على العودة الأميركية الى سوريا، والى قوة اقليمية بديلة تخفف عنها عبء التحالف مع النظام وإيران . هناك قلق كردي أميركي من احتمالات حدوث تفاهم تركي روسي على ايقاظ بعض الاكراد في سوريا من الحلم، وربما هذا هو بين الأسباب التي دفعت أنقرة لقبول الجلوس أمام طاولةٍ تفاهمات ادلب مع روسيا وإيران ومسارعة النظام في دمشق لحفظ حصته في الصفقة عبر مطالبة القوات التركية بالمغادرة الفورية للاراضي السورية لانها خرجت عن التزامات الاستانة وقراراتها في شمال غرب سوريا .

التحفظ الوحيد هنا قد يكون مسألة اخرى لا يمكن الاستخفاف بها خلال مناقشة السيناريوهات المحتملة بعد انطلاق عملية تنفيذ خطة ادلب اشار اليها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عندما أعلن أن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا على مذكرة تفاهم لإقامة منطقة خفض تصعيد في درعا والقنيطرة والسويداء، يحمل معه مؤشرات مباشرة تعكس احتمال حدوث تفاهم اخر باتجاه ضمانة إبعاد إيران عن الجولان ويحول التطورات إلى فرصة تمهد لاتفاقية سلام سوري إسرائيلي، تدرج في إطار خطة - صفقة بناء سورية الجديدة . هل ساومت واشنطن على حليفها الكردي في سوريا مقابل تحصين امن حليفها الاقليمي الاسرائيلي في مناطق الحدود السورية الاسرائيلية . هل سقط ملف الجولان المحتل ضحية لصفقة من هذا النوع ؟

تفاهمات إدلب قد تؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الصراع في سوريا . النظام والمعارضة قد يقولا نعم لصلاحيات اوسع للاستانة في المرحلة المقبلة طالما ان جنيف يراوح في مكانه .




increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها