السجن للجميع.. عمّال وطلَبة

أحمد ناجيالأربعاء 2017/06/07
حجم الخط
مشاركة عبر
في زمن التسعينات، وترحيباً بالعولمة والتجارة الحرة، بدأت الحكومة المصرية برنامج الخصخصة القائم على بيع شركات القطاع العام، وتقليص دور الدولة، وتعظيم دور القطاع الخاص. في الوقت ذاته، كانت العولمة وسقوط الاتحاد السوفياتي دفعة قوية للسياسات البيئة والنمو المتزايد للأحزاب الخضراء التي اتخذت موقفاً معادياً من الصناعات الملوِّثة للبيئة وعلى رأسها الحديد والصلب والإسمنت.

أغلقت المصانع في أوروبا، وبدأت الشركات الكبرى، تحديداً شركة "سمنت" الإيطالية وشركة "لافارج"، البحث عن أسواق وبلاد قريبة من أوروبا يمكن أن تنقل مصانعها الملوِّثة إلى أراضيها. كانت الدولة المصرية تبيع مصانع الإسمنت والحديد والصلب، وبالتالي تسابقت الشركتان على إلتهام السوق المصري، وشراء مصانع الإسمنت الموجودة، وضخ استثمارات في مصانع جديدة، ثم تحويل أرباحها إلى الخارج بينما سكان المناطق الصناعية في مصر تتحجر رئاتهم وتزداد الأمراض التي يصابون بها نتيجة غبار الإسمنت الذي يتنفسونه مع الأوكسجين ورائحة الخوف المميزة للأجواء المصرية.

بالطبع، شابَ صفقات البيع، الكثير من الشبهات، ودُفعت من تحت الطاولة وفوقها، الإكراميات، لتقييم تلك الشركات بأقل الأسعار وبيعها للمستثمر الأجنبي. بدوره، سعى المستثمر الأجنبي إلى تعويض ما دفعه من رشاوى بتقليل العمالة الدائمة والاعتماد على العمالة المؤقتة، بل وقص مستحقات العمال. أحالت الإدارة الجديدة لأحد المصانع أكثر من ثلاثة آلاف عامل إلى المعاش المبكر، خلال خمس سنوات، لتتقلص عمالة المصنع الرسمية إلى 900 عامل، والباقي عمالة مؤقتة يتم توريدها للعمل في المصانع من دون أى حقوق أو التزامات من جانب الشركة اتجاههم.

في العام 2006، كنتُ شاهداً على إضراب عمال "إسمنت حلوان". كان الإضراب تصاعدياً والعمال يطالبون بنسبتهم المنصوص عليها في الأرباح، والتى كانت الشركة الايطالية (سمنت) تماطل في دفعها. بلغ الإضراب مستوى غير مسبوق، فأغلق العمال المصنع، واحتجزوا مدير الشركة الايطالى في مكتبه، ومع ذلك لم يتدخل الأمن أو يستعمل القوة. بل اتبع الأمن سياسته المعتادة في الضغط على الطرفين. ابتزاز الشركة الإيطالية المالكة، والضغط على العمال وتشتيت صفوفهم وزرع المخبرين بينهم. كانت تلك سياسة ناجحة، فإضراب 2006 انتهى باتفاق يصفه القيادي العمالي كمال عباس، بالممتاز، وسار العمل في المصنع بانتظام حتى العام 2015 حينما عاد العمال للإضراب نتيجة رجوع الشركة عن اتفاق 2006.

حتى في حالات إضراب العمال في شركات القطاع العام، لم يكن العنف اختياراً للسلطة. بل في العام 2010، حينما تمت محاكمة عدد من عمال المصانع الحربية في ما يعرف بقضية "عمال مصنع 99 حربي"، أمام المحاكم العسكرية التى أنزلت بهم أحكاماً قاسية، تتراوح بين الطرد والسجن، ذهب أهالي العمال وقتها إلى المشير طنطاوي، وزير الدفاع الذي تدخل بحكم صلاحياته ولم يصادق على الأحكام، بل أعاد العمال إلى عملهم.

لكن زمن الاستبداد الجميل الحنون، مضى، اي حينما كانت السجون مُقتصرة على الإسلاميين والنشطاء السياسيين من الحركات المدنية. فللمرة الأولى، منذ عقود طويلة، أصدرت محكمة مصرية الأسبوع الماضي، أحكاماً بالسجن لمدة ثلاث سنوات على 32 عاملاً من شركة "أسمنت طرة"، وذلك في واحدة من أسرع المحاكمات، والتى بدت وقائعها هزلية وغرائبية، استمتع خلالها القاضي بتوجيه الاتهامات إلى العمال والسخرية منهم.

المحكمة دانت العمال بمقاومة السلطة، وحكمت عليهم بالعقوبة القصوى، رغم أنهم اعتصموا لكثر من 55 يوماً داخل مصانع الشركة، بطريقة سلمية. وفي خلاف بين العمال وشركة خاصة، لماذا يكون رد فعل السلطة بتلك القسوة والشراسة ضد فئة اجتماعية كالعمال؟

ليس هذا الموقف انحيازاً من النظام المصري ومؤسساته الأمنية، إلى صفوف رجال الأعمال أو الرأسمالية المتوحشة... لا سمح لله. فردود أفعال المؤسسات الأمنية المصرية أبسط من ذلك، وأكثر غرائزية. الاستبداد في مصر ليس معقداً، وليس لديه إيمان أو إيديولوجيا. هو استبداد تافه مرعوب. ولذلك هو أخطر وأشرس من كل الأنظمة السابقة. فالديكتاتور المرعوب، أشرس وأكثر دموية من الديكتاتور المصاب بجنون العظمة.

المرعوب يتحرك بدافع الخوف وقوته، قد ينجح في زرع الخوف في صفوف رعيته، لكنه لا ينجح أبداً في بث الرهبة. ومثلما يكون خوفه هو دافعه لتلك الأداءات العصبية والعنف المبالغ فيه وغير المبرر، يكون الخوف الذي يزرعه داخل المواطنين هو الدافع لكى يكمنوا، ليصبروا ويحتسبوا، ويقتنصوا اللحظة لتمزيقه.

كمال عباس، القيادى النقابي والمنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، علّق على خبر سجن العمال وتشريد أكثر من 32 أسرة، بأنه يأتى في إطار حملة تصعيد القمع ضد كل فئات المجتمع. فالفترة المقبلة ستشهد المزيد من السياسات الاقتصادية التى ستدفع ثمنها الفئات الأكثر فقراً، وبالتالي فمثل هذه الضربات، كسجن عمال أسمنت طرة، ستكثر. والرسالة التى يريد النظام إيصالها هي أن أي فعل احتجاجي، حتى لو كان خلافاً بين العمال وصاحب رأس المالن سيُواجه بعنف وبقسوة، بل وبالجَزْمَة. وكما قال الشاعر الشعبي: "اضرب المربوط.. يخاف السايب".

لكن، وبمزيد من العنف وسجن العمال، كيف ستدار الماكينات والمصانع؟

هنا، يقدم نظام السيسي الحل العبقري. ففي حالة عمال أسمنت طرة، تم تسريحهم من العمل من دون حتى صرف حقوقهم، واستُبدلوا بعمال من شركة "كوين سيرفيس"، وهى إحدى شركات "جهاز مشروعات الخدمة الوطنيةط التابع لوزارة الدفاع. هكذا، يصل السيسي إلى النموذج الكامل الذي لم يبلغه خيال حاكم من قبل. فلا حاجة له بعد اليوم لشعب يحكمه، لا حاجة لفلاحين أو عمّال، يمكنه بيع العمال للمستثمر الأجنبي الذي دائماً ما يغريه بالقدوم لمصر لأن اليد العاملة رخيصة. وحينما يطالب العمال بالحياة الآدمية، وبحقوقهم، يمكنه سجنهم واستبدالهم بالعاملين في "كوين سيرفيس". وإذا اعترضوا، يمكن سجنهم واستبدالهم بآخرين من "كوين سيرفيس".. ولمَ لا؟ أليست الجندية مصنع الرجال؟ يمكن إذن جعل "كوين سيرفيس" مصنعاً للعمال ولإنتاج شعب جديد يليق بحاكمه.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث