آخر تحديث:09:54(بيروت)
الثلاثاء 30/08/2016
share

متي يكون التحريض مباحاً؟

شادي لويس | الثلاثاء 30/08/2016
شارك المقال :
أنهت مؤسسة "دويتشه فيلله" الألمانية، تعاقدها مع الصحافي المصري المقيم في ألمانيا، ناجي عباس، وتعهدت بمقاضاته أيضاً، على خلفية منشور له في صفحته الشخصية في "فايسبوك"، رأت فيه المؤسسة تحريضاً "لا يقبل اللبس" على عمل يعاقب عليه القانون ضد الناشطة المصرية ماهينور المصري. وفي سياق النقاش الدائر حول القضية، نشرت "المدن"، مقالة للزميل أحمد ندا بعنوان "بصمات النيوليبرالية في طرد ناجي عباس". وتتناول مقالة ندا القضية على مستويات عديدة، طارحة تساؤلات جديرة بالنظر، لكنها في سبيل إجابة تلك الأسئلة تقع في سلسلة من الإستدلالات غير الدقيقة والخاطئة.

فعلى مستوى المنشور نفسه، والذي يقول فيه عباس: "مفيش أي طنط في البلد دي أو انكل ابن حلال كده يخطف الست ماهينور ويسقيها ولو ربع لتر مية نار ويدلق الباقي على وشها.. عشان يخدمها ويخدمنا معاها"، فإن عباس يدعو أو يتمنى في سبيل الخدمة العامة، خطف ماهينور أولاً، وثانيا إجبارها على تناول كمية من "مياه النار" كافية لقتلها، وأخيراً التمثيل بجثتها بإلقاء المزيد من الحمض الحارق على وجهها بعد قتلها. يجادل ندا بأن المنشور ليس إلا تعبيراً عن الرأي، وثانياً بأنه ليس "سوى منشور ساخر، وإن كان بكلمات عنيفة"، وفي الحقيقة يصعب عليّ تبيّن أي تعبير عن "الرأي" في المنشور. ولو افترضنا أن فيه رأياً، فهو أن المصلحة العامة تستوجب قتل ماهينور. أما عن السخرية، فهي ليست نافية لفعل التحريض، كما يلمح ندا، بل على العكس. فتاريخياً، كانت السخرية، وما زالت، ركناً رئيسياً في ترويج خطاب الكراهية ضد أفراد وجماعات إثنية ودينية وسياسية وغيرها.

هكذا، ولأن السخرية تمتلك قدرة إستثنائية، لا يمتلكها الخطاب الجاد، على منح أكثر الأفكار إجراماً، وأفدح الأفعال بربرية، خفة وقبولاً لدى معتنقيها ومرتكبيها والشهود عليها، فإن التناقض الصوري بين "السخرية" و"الكلمات العنيفة" في المنشور ليس تناقضاً على الإطلاق، بل هو تأكيد على عنف وأغراض تلك السخرية، إن وجدت أي سخرية في الأساس. ويبقى أن نشير إلى أن المنشور ليس استثناءً أو واقعة مفردة. ففي منشور سابق في صفحته الفايسبوكية، يؤكد عباس أن حياة المحرّضين على الجيش والشرطة، لا تساوي سوى حياة "خنزير". وفي منشور لاحق، يدعو عباس متابعيه لتدوين أسماء وعناوين أصدقائهم الذين يبثون روح الإحباط واليأس بانتقاد الأوضاع الأقتصادية وغيرها، لأنهم ممولون من الخارج، ويختم دعوته بأن هولاء سيتم "تنظيفهم" قريباً جداً.

أما على المستوى القانوني، فإن ندا يفترض جدلاً بأن منشور عباس ربما احتوى تحريضاً، لكنه "تحريض غير مباشر"، ولذلك لا يمكن إثباته بحسب القانون المصري. لا يستشهد ندا في مقالته بأي نص قانوني، ويكتفي بالإشارة إلى تفسير للقانون يبدو غير دقيق. فالمادة 171 من قانون العقوبات تشير إلى أن التحريض على ارتكاب جناية أوجنحة يعدّ جرماً لو تم عبر الصياح أو الجهر علناً، أو حتى بإيماءة علنية، أو بكتابة أوصور أو حتى رموز أو أي طريق من طرق التثميل العلني، طالما أصبح في مقدور العامة الإطلاع على التحريض أو الاستماع إلى فحواه. وهي بالطبع أركان متوافرة في منشور عباس، الذي أطلع عليه مرتادو "فايسبوك"، وأنتقل بعدها إلى جمهور الصحافة ووسائل الإعلام الأوسع بعد عرضها للمنشور. وتنص المادة 172 من القانون نفسه على أن: "كل من حرض مباشرة على ارتكاب جنايات القتل أو النهب أو الحرق بواسطة إحدى الطرق المنصوص عليها في المادة السابقة، ولم تترتب على تحريضه أية نتيجة، يعاقب بالحبس"، وهو مايثبت أن التحريض المتضمن في منشور عباس مستوجب للعقوبة حتى ولو لم تترتب عليه أي نتيجة.

أما في المستوى الأخير الذي تتناوله المقالة، فإن ندا يناقش تناقضات جديرة بالفحص، عن ترويج المؤسسات الإعلامية للحرية "كسلعة" تبيعها لزبائنها، مع فرضها قيوداً على موظفيها في ما ينبغي قوله أو ما لا يجب قوله. لكنه يطرح السؤال الصحيح في إطار القضية الخطأ. فالمؤسسات الإعلامية، كغيرها، تدخل في علاقة تعاقدية مع موظفيها، يحكمها القانون العام، والتي في حالتنا هذه، تبدو علاقة بسيطة وواضحة وغير محل خلاف. فعباس ارتكب جُرماً يعاقب عليه القانون، ومن حق مؤسسته بل من الواجب عليها إنهاء تعاقدها معه، ومقاضاته أيضاً. ومن حق عباس كذلك أن يلجأ للقضاء لإثبات براءته ومطالبة مؤسسته بالتعويض. لا يتعلق الأمر هنا برأي، بل بجرم وخرق للقانون، له تبعات لا يصعب تصورها على سمعة المؤسسة ونزاهتها ومهنيتها. فكيف لـ"دويتشه فيلله" أن تقبل بموظف لديها يحرض على الخطف والقتل والتمثيل بجثث الضحايا ليكون واجهة لرسالتها الإعلامية؟! وما علاقة هذا بتناقضات حرية الرأي والمؤسسة؟

لكن وبالرغم من كل هذا، فإن ندا طرح قضية في غاية الأهمية، وإن مر عليها مروراً سريعاً، وهي مدى أخلاقية الكيل بمكيالين في ما يخص قضية التحريض. ألم يتورط الكثير من وجوه المعارضة والنشطاء والكتّاب بشكل أو بآخر في التحريض على العنف؟ ألم يحتوِ ذلك التحريض على أسماء وصور وعناوين لرجال شرطة ومسؤولين حزبيين ومتهمين بالتحرش أو التعذيب وغيره، مع الحض على الإنتقام منهم وملاحقتهم شعبياً؟ أليست الدعوة إلى الثورة وتغيير نظام الحكم، في المطلق، جرماً له صفة التحريض بنص القانون المصري؟ وهل العنف الثوري والتحريض عليه مباح بحكم ميلنا الأخلاقي إلى منطلقاته، بينما التحريض على العنف المضاد يكون جُرماً شنيعاً لأننا ربما نكون هدفاً له؟

تدعونا قضية ناجي عباس إلى طرح تلك الأسئلة على أنفسنا، ومراجعة خطاب التيار الثوري وفحص حدود أخلاقيته وتبعاته، وهي مهمة تبدو ثقيلة في واقع الهزيمة الحالي، لكن ربما علينا التصدي لها عاجلاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب