آخر تحديث:13:34(بيروت)
الثلاثاء 26/05/2015
share

العقدة العونية

رشا الأطرش | الثلاثاء 26/05/2015
شارك المقال :
العقدة العونية المسيحية العونية، اليوم، كمبيالة مستحقّة من حزب الله
... وأكمل الفراغ الرئاسي عاماً كاملاً.
تقاطعت المناسبة مع مناسبات أخرى. بعضها راهن، يصنع أخبار النشرات المسائية. والبعض الآخر محمول على "عيد المقاومة والتحرير": يوم الانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية الجنوبية، قبل 15 عاماً، لتبقى مزارع شبعا التي لم تُثبت لبنانيتها، لكنها مع ذلك مثبَّتة كمسمار جحا.
أي مقاومة؟ وأين؟ ولماذا؟ الخبر السوري اليومي ينبئنا بتفاصيل وافية، فيما الخوف يتفاقم من خبر لبناني يُصنع في عرسال. رماه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، في وجوهنا، خلال خطابه الأخير الذي رُكِّب كلّه حول إعلان معركته هذه، مؤججاً لدى كثيرين خوفاً أكبر من توريط الجيش اللبناني.

ما زال "حزب الله" قوياً، رغم تخبطه وتعدّد الجبهات التي تستنزف مقاتليه وكوادره وموارده وماء وجهه، وحتى حجج أمينه العام وحنجرته. خطابه ما زال يتوعد، ويضع أجندة "الحوارات" المحلية والتصريحات الإقليمية. هي القوة العارية، العمياء، المجوّفة من السياسة والاجتماع، المهجوسة بحفظ النوع، الكَيّ الأخير، الإفلاس الذي لا يترك لصاحبه سوى "حقيقة" فجّة ينتجها وحده، ويعكسها و"يحاورها"، متخلياً عن ترف التوقف عند صلافتها. هذه القوة، لا سواها.

.. وأكمل الفراغ الرئاسي عاماً كاملاً، غداة قنبلة "التعبئة العامة" التي فجّرها نصر الله في صحف مقرّبة من حزب الله، لتدور اللعبة إياها: المسؤول الإعلامي يلطفها بدعوى "اجتزائها من سياقها"، ثم يعود نصر الله نفسه ليحجّمها في ملعب القلمون-عرسال، مخفّفاً استفزازاً (من دون أن يجتثّه تماماً) ليُطلِق آخر.

قد لا يكمن التمرين الذهني الفعلي في استقراء مخططات حزب الله للمرحلة المقبلة. فذلك، على خطورته الانتحارية، غير ملغز، بوصلته الإيرانية معروفة من بيروت إلى دمشق، فبغداد وصنعاء. التمرين الفعلي، وربما المسلّي، يتمحور حول ميشال عون: كيف يرى كل هذا اليوم؟

يستمر حزب الله في حشر ميشال عون في زوايا صعبة.
رغم كل التطمينات، ما زال الحزب غير حاسم في دعم المبادرة العونية لاجتراح حل للأزمة الرئاسية، بل هو "داعم لدراستها بجدية".
ويؤكد "رجال الله" مراراً أن الحزب ليس في وارد السعي إلى تعديل اتفاق الطائف، إلا في حال توافق اللبنانيين جميعاً على ذلك، أي أن استماتة الحليف في هذا المجال لا تكفي، بل لا قيمة لها.
ثم هناك تجربة الرئيس السابق ميشال سليمان، وهو الآتي أيضاً من المؤسسة العسكرية، وكان الحزب من أشد المتحمسين له لحظة التوافق عليه رئيساً بعد حرب نهر البارد واتفاق الدوحة (إلى درجة أن عون، "المتفاهم" حديثاً آنذاك، أُجبر على بلع الموس الرئاسي مرة جديدة). تُظهر هذه التجربة أن الحزب لا يعترف بأي رئاسة لا تواليه بالكامل، تماماً كما لا يعترف بالدولة رغم مشاركته في حكومتها كمُعادِل للقوات السورية التي شكرها قبل انسحابها من لبنان. فهل يظن عون فعلاً أنه استثناء؟ ها هو النائب محمد رعد يشرح بوضوح ما سيكون عليه موقف حزبه، إذا ما تعارض قرار رئيس الجمهورية مع قرار الولي الفقيه: "قد يختلف (رئيس الجمهورية) معنا، وليس مع الولي الفقيه.. هو لا يختلف مع الولي الفقيه، كلا. دون المستوى أن يختلف مع الولي الفقيه".

قد يتساءل المرء عن مزاج العونيّ لدى سماعه العبارة أعلاه، وهو المهجوس الآن بالموقع المسيحي الأول في الجمهورية، القابض على جمر تهميش المسيحيين منذ 25 عاماً، والكافر باتفاق الطائف منذ كرّس فوز المسلمين (ومن خلفهم قواهم الإقليمية) في حسابات ما بعد الحرب الأهلية.

إلى أي مدى يمكن لميشال عون، بَعدُ، الشدّ والمطّ في خطاب العصاب المسيحي، كيما يتجاوز كل هذه الأفخاخ أمام جمهوره؟ بل أمام صورته في المرآة؟ إلى متى ستظل نافعة كل الأبوية العسكرية، والشعارات المرفوعة في الجامعات تناشد "فخامة الأب، دولة الرئيس ميشال عون"، و"يا انت رئيس يا بلا"؟

يستلهم عون، قوة نصر الله، من دون أن يمتلك مقدرات حزبه. يتشبث الجنرال بصدى الصراخ، بأدواته العونية المعروفة منذ شرفة بعبدا المطلة على "شعب لبنان العظيم". وقتها كان على رأس دولة وجيش يخوض حرب "تحرير لبنان" من الوجود السوري. لكنه اليوم، يطلّ من شرفة الرابية ويريد الكاميرا نفسها التي تصوّر نصر الله وتبثّه لجمهوره. اليوم، لم يعد للخطاب العوني سوى العداء للسنّة، الذي "تفاهم" عليه مع حزب الله العام 2006. وإذ كان نصر الله يقاتل "التكفيريين" بميليشياه المسلّحة العابرة للحدود، وقتاله هذا جزء من منظومة صراع إقليمي راياته السنّية والشيعية ليست طواحين هواء... فإن رُهاب السنّة العوني، منذ ما قبل "تفاهم" العونيين وحزب الله بكثير، طُبخ كراهةً عونية هوياتية، لا يماثلها شيء في سائر القدور الطائفية اللبنانية.

هو الرهاب الذي زادت مركزيته بعد سقوط مدماك "الاحتلال السوري" من الخطاب البرتقالي، بل وصار النظام السوري حليفاً، و"الوطني الحر" غطاءً مسيحياً لحرب حزب الله في الأرض السورية، بعدما غطّى مغامرة "لو كنت أعلم" في تموز 2006.
يقدّم الخطاب العوني لكل كلام عن اتفاق الطائف بـ"الاضطهاد العثماني". ولا ننسى النزوح السوري الراهن كـ"مؤامرة ممنهجة ومنظمة بتواطؤ دولي"! مؤامرة متمثلة في "هجمة غير اللبنانيين" للعمل والاستقرار في لبنان وتطبيع الوضع مع "مباركة سفارات لتهجير بعض اللبنانيين".

المسيحية العونية على شيء من الفرادة. لا المسيحية القواتية مثلها، ولا السنّية الحريرية (أو حتى الداعشية)، وهي ليست كشيعية "حزب الله" أو الدرزية الجنبلاطية... خطاب المسيحية العونية صار أكثر من أحلام مشخصنة، وزعيم يعاني "عقدة خصاء" سياسي فيجنّنه مشهد قادة يورثون أبناءهم الذكور، وهو يكابد ما يكابد من أجل صِهريه. كأن خطاب المسيحية العونية هو أضغاث مارونية سياسية وقد صُفّيت إلى نواتها النزقة.. صورة امتلاك الحقيقة الكاملة، والمظلومية الكاملة، ووهم القوة الكافية لإنتاج الإثنتين.

المسيحية العونية، اليوم، كمبيالة مستحقّة من حزب الله. "الهوية" المجبولة بالنفي. ما زال عون ينفخ فيها من زبَد نصر الله، طمعاً في قوة تطويق "الذات المسيحية" بالحزام العوني، لتعريفها في إطاره... لتكبر "ذات" الجمهور، عونيةً، ولتكون هي سياجاً لذاتها، حدوداً ثابتة لا تفاوض عندها مع "آخر" أو عليه. وكما لم يعد لنصر الله ترف تجميل النهج بالكلام، فراح يساوي الفجاجات كلها أمام أنصاره وخصومه.. كذلك، لم يعد لعون خيار، وقد طال انتظار المكافأة، رغم أن "تحالف الأقليات" قد لا يعني متحالفين متساوين. لكن الجنرال يريد علاقة القوة ذاتها - بالقوة - ولو ظلّ دون مستوى الخلاف مع الولي الفقيه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب