آخر تحديث:08:24(بيروت)
السبت 03/10/2015
share

أدونيس بين الشعر والطغيان

محمد علي مقلد | السبت 03/10/2015
شارك المقال :

كنت سأكتب هذا الاسبوع عن دور المثقف في تعميم الديمقراطية، لكن موقف أدونيس من الربيع العربي في آخر نصوصه في جريدة الحياة (مدارات («لعنةُ» المكان أم عبثُ التاريخ؟ الخميس 1-10-2015) أثار مشاعري تجاهه في أكثر من اتجاه. فلقد انهيت كتابة فصل من كتاب عن الربيع العربي والدواعش خصصته، إن لم أقل للدفاع عن موقفه، فعلى الأقل لتفسيره، وخلاصة ما سأقوله هناك أن أدونيس يعالج قضية سياسية بلغة الشعر، وهو منهج لا يؤول إلى غير خلاصات خاطئة.

حين يسأل ما أغراض الربيع؟ "هل كانت قتلَ القذّافيّ، وطرد بن علي من السلطة، و «الإطاحة» بحسني مبارك، و«تدمير» سورية، وتفتيت شعبها وتهجيره؟" وهل هي تكوين جيش من المرتزقة أو ابتكار أساليب أشد فتكاً كالذبح والسبي وبيع النساء والنهب والسلب؟ فهو لا يسيء للثورة وللربيع العربي اللذين لا يذكرهما إلا بين مزدوجين، للتقليل من شأنهما والتشكيك بمصداقيتهما، ولنفي صفة الثورة والربيع عنهما، بل هو يسيء لنفسه ولشعره ولعقود طويلة من التبشير بالثورة. أليس هو القائل، هي ساعة الهتك العظيم أتت وخلخلة العقول؟

حين تحدث عن الثورة بلغة الشعر، قال كلاماً جميلاً دغدغ مشاعر جيلنا الذي تربى على لغة ثورية تعلمناها من كتابات أدونيس ومحمود درويش وبدر شاكر السياب ومحمد الماغوط وسواهم. غير أن لغة الشعر الجميلة هي جميلة لأنها تحلق فوق الواقع، بل تحوله إلى عالم  يرتسم على حدود المخيلة، بل هي تقوله بمفردات وصور لا يكون لها معنى في أنواع أخرى من النصوص. الهتك العظيم وخلخلة العقول هي في لغة الطب وعلم النفس ضرب من الجنون.   

قال لي حسن حمدان مهدي عامل ذات مرة، وكنا على شاطئ الجزيرة في مدينة صيدا(الزيرة)، لا يكون الشعر عظيماً، ولا الشاعر، إلا إذا حمل قضية تقدمية كالتحرر أو الاشتراكية. كان يكرر في ذلك منهج الحزب الشيوعي في نقد الشعر، وهو منهج يرسم السكة لقطار الأعمال الابداعية في الشعر كما في سواه. لم أوافقه الرأي، ثم تلوت على مسامعه مقاطع  من قصائد متفرقة، من غير أن أبوح له باسم صاحبها، وهي للشاعر المبدع محمد الماغوط، فقرأت على وجهه شيئا هو بين الاعجاب والطرب. ولما استحسن ما سمعه، ذكرت له أن هذا الشاعر قال في تصريح له إن أعداءه ثلاثة، الصهيونية والشيوعية والمرأة. فحاول ألا يصدق، ثم راح يسترد الإعجاب باستغراب وضحكة مجلجلة.

لغة الفن لا تصلح للتعبير عن السياسة، فالأدوات مختلفة وكذلك المصطلحات والمفردات. لا علاقات الانتاج في القصيدة  ولا القوى المنتجة( وهذه من مصطلحات النقد عند حسن حمدان) يمكن أن تكون هي ذاتها في الزراعة والتجارة والسياسة. أدونيس يتعامل مع السياسة كمن يحاول أن يرصد المجرات بالميكروسكوب والخلايا الجذعية بالتلسكوب. أو هو يحاول أن يستعير من ثورته في الشعر ما يصنع به ثورة في السياسة. فيصبح كالغراب الذي أراد أن يمشي مشية الحجل. أدونيس، بأفكاره السياسية، لا يسيء إلى السياسة فحسب، بل قبلها إلى الشعر وإلى شعره على وجه الخصوص، لأن موقفه السياسي يبدد رصيده الشعري.

لا. ليست أغراض الربيع العربي هي تلك التي ذكرتها يا شاعرنا الكبير. كل ما كانت تريده الشعوب العربية هو الحرية. من تونس إلى دمشق وبغداد، مروراً بكل العواصم. سقوط الطغاة ونهاية حكم التوريث السياسي.

ليس أشد فتكاً بالشعوب من طغيان حكامها، من البراميل والأسلحة الكيماوية. حين أثبتوا أن أميركا كاذبة وأن العراق بريء من أسلحة الدمار الشامل، كان الشعب العراقي يصرخ بأعلى صوته، إن أكثر أسلحة الدمار الشامل فتكاً هو صدام حسين. واليوم لا يدافع عن نظام الدمار الشامل في سوريا إلا من يشبهه من أنظمة الفتك وأحزاب الاستبداد والدواعش.

من صنع «المُرتَزِقة»  وصدرها هو نظام الاستبداد السوري، ومن ابتكر الأساليب الأشد فتكاً هو النظام السوري، ومن اختار "الأساليب والطرق الثّوريّة «الأشدّ فتكاً»، لكي تكون الأكثر «إقناعاً»، كالذّبح والسّبي، وبيع النساء، والنّهب والسّلب، وتدمير العمران وفي المقدّمة : المتاحف، والمعالم التّاريخيّة القديمة" هم الثورة المضادة وليست الثورة.

لم يعد يليق بتاريخك يا شاعرنا الكبير أن تنحدر من ذروة الشعر إلى قاع السياسة.



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها