آخر تحديث:13:38(بيروت)
الأحد 23/11/2014
share

لبنان الرهينة

لينا الخطيب | الأحد 23/11/2014
شارك المقال :

إستقبل لبنان عيد الاستقلال، وهو رهينة الصراعات الإقليمية وعلى رأسها الأزمة السورية التي تتجلى الآن، ليس فقط في الفراغ السياسي المتمثل في غياب رئيس للجمهورية وبرلمان منتخَب وحكومة غير مؤقتة، لكن أيضاً في الحوادث الأمنية، خصوصاً في الشمال والبقاع والجنوب. وعلى رأس كل هذا، يواجه لبنان تحدياً لكرامة جيشه جراء أزمة الجنود المخطوفين من قبل تنظيمي داعش وجبهة النصرة.

لقد طالت أزمة المخطوفين واحتار معها أهاليهم الذين نصبوا مخيماً اعتصامياً قبالة السراي الحكومية كوسيلة للضغط على الدولة اللبنانية للعمل على إنقاذ أبنائهم من قبضة الإرهابيين.

لا يستطيع أحد لوم الأهالي. فالدولة اللبنانية حالياً غائبة بالفعل، وإن وُجدت بالشكل. فهي لا تملك النفوذ الكافي للضغط على جبهة النصرة أو تنظيم داعش، ولذا تحصر تحركها في إطار البيانات الإستنكارية والحملات الإعلانية التي تدعو الشعب إلى التعاطف مع الجيش في محنته، كما تذكر لوحة موزعة في أنحاء بيروت تشدّد على مبدأ "التضحية" في شعار الجيش اللبناني.
والجيش هنا فعلاً يضحّي، لكن التضحية لم تعد بإسم الوطن. الجيش لا يضحّي بنفسه، إنما  يُضحّى به بسبب غياب الدولة.

كل جيوش العالم، مهما اختلفت اتجاهات الدول، تقوم على مبدأين أساسيين: الدفاع والتضحية. عندما يواجه جيش ما، عدواً في معركة، فإن الوقوع في الأسر هو أذلّ قدر للجندي، حيث أن الموت بشرف من خلال التضحية بالنفس من أجل الوطن هو أفضل من إهانة العيش كرهينة. ولذا، فإن الجيوش لطالما سعت إلى تحرير أسرى الحرب، ليس من خلال المفاوضات، لكن من خلال شن الحملات العسكرية لمحاولة إنقاذ الأسرى، حتى إن كان الإحتمال الأرجح أن تبوء هذه العمليات بمقتل الأسرى كما الجنود المهاجمين.

في الوضع الحالي في لبنان، يُحرم الجيش اللبناني من فرصة استعادة كرامته في أرض المعركة، وهذا يعود بشكل رئيسي إلى عدم وجود رئيس للجمهورية. فرئيس الجمهورية في لبنان هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويرأس المجلس الأعلى للدفاع، وهو المسؤول عن قرارات شن الحرب. في ظل غياب رئيس، يقتصر دور الجيش فعلياً على التدخل في المعارك بشكل انعكاسي، أي لضبط الفلتان الأمني مثلاً أو ملاحقة الإرهابيين. لكن شن هجوم على عدو ليس قراراً يتخذه الجيش وحده. وما يزيد الأمر تعقيداً هو أنه، حتى لو أعطت الحكومة الحالية الضوء الأخضر للجيش بالتحرك لمحاولة إطلاق سراح الأسرى عنوة، فإن مثل هذا التحرك يتطلب خطة مدروسة بدقة تأخذ في الإعتبار كافة التداعيات الأمنية المحتمل وقوعها نتيجة مثل هذا الهجوم، وهذه الخطة بدورها تتطلب وجود دولة بكامل ركائزها.

وبسبب انعدام وجود هذه المقوّمات، أصبح الجيش اللبناني، كما أهالي المخطوفين، أدوات دعائية رخيصة في أيدي الإرهابيين. فالخاطفون يستغلون الوضع الحالي إما للضغط من أجل مطالب تعجيزية، كإطلاق سراح الإرهابيين المسجونين في لبنان، أو لكسب تغطية إعلامية مجانية. فجبهة النصرة مثلاً تتصل بأمهات الرهائن لتهديدهن بقتل أبنائهن إن لم ينزلن إلى الشارع للتظاهر، وتقوم التنظيمات الخاطفة بتصعيد مطالبها وحركاتها لأنها مطمئنة بأنها لن تواجه هجوماً عسكرياً. وقد تاه الأهالي في سياق سيعهم إلى مساعدة أبنائهم، بسبب عجز السياسيين وضعف مؤسسات الدولة التي لا استراتيجية لديها للتعامل مع أزمة المخطوفين. وأيضاً، بسبب عدم حرص الإعلام الذي أصبح يغطي بشكل رئيسي كل تحرك شعبي ولو بسيط للأهالي، وكل مادة دعائية يُرسلها الخاطفون، ليصبح هو أيضاً أداة في أيدي الإرهابيين.

وهكذا أصبح لبنان برمّته - من جيشه إلى مؤسساته الرسمية والإعلامية إلى شعبه – رهينة التنظيمات المتطرفة.

المخرج الوحيد من هذا المأزق هو إعادة تفعيل الدولة بإجراء الإنتخابات النيابية والرئاسية، لكي تعود الحياة إلى مؤسسات الوطن قبل اهترائها بالكامل. والجيش هنا على رأس المؤسسات التي تحتضر. فالجيش اللبناني يحظى بدعم شعبي واسع النطاق، وأثبت أنه يحاول جهده لضبط الوضع الأمني في لبنان. لكنه يواجه خطر الإنتقال من خانة المدافِع عن الشعب المسكين إلى خانة المسكين الذي يستعطف الشعب للدفاع عنه. هذا الخطر سيشكل فعلياً انتهاء الدولة في لبنان، لأنه انقلاب للعقد الإجتماعي الذي ينص على حماية الدولة للمواطن. وفي حال حصول ذلك ستجد التنظيمات الإرهابية سوقاً واسعة لترويج نفسها ولاستقطاب الشعب البائس.

من المؤسف أن يفكر المرء في مستقبل قاتم كهذا للبنان، لكن الوضع الحالي لا يدعو إلى التفاؤل. ولعل عدم التفكير في أسوأ الإحتمالات هو أحد أسباب المأزق الحالي. كثيرون يفضلون تجاهل الغد كوسيلة لعدم مواجهة نتائج أفعال اليوم. لكن لبنان الآن على قاب قوسين من الدخول في مرحلة ظلام غير محددة الأمد، لا يستطيع تجاوزها إلّا من خلال استعادة مؤسسات الدولة لأدوارها الطبيعية. فربما، إن تم تكريس بعض الوقت للتفكير في التداعيات المستقبلية، يستطيع لبنان الخروج من محنته والحفاظ على كرامة مؤسساته الوطنية.

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لينا الخطيب

لينا الخطيب

مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت