آخر تحديث:09:08(بيروت)
الثلاثاء 14/10/2014
share

وزارة حماية الأقليات!

عمر قدور | الثلاثاء 14/10/2014
شارك المقال :
  • 0

قبل أربعة أيام من الآن تلقى وزير خارجية لبنان رسالة من وزير الخارجية الأميركي، نقل منها إعلامياً على وجه خاص تصميم الرئيس أوباما على عدم السماح باقتلاع أقليات الشرق من موطنها الأصلي. الرسالة عبّرت عن الالتزام بملاحقة الإرهابيين من "داعش" ومثيلاته ومعاقبتهم، مع أن الاستراتيجية الأميركية المعلنة تتحدث عن حرب طويلة، ظهر حتى الآن أنها لا تردع داعش عن التمدد هنا أو هناك، الأمر الذي حدث في كوباني السورية وفي مناطق الأنبار العراقية. يُشار أيضاً إلى أن الإدارة الأميركية لم تبذل جهوداً خاصة لمنع تهجير مسيحيي الموصل أو إيزيدييها، في الوقت الذي انصبّ فيه اهتمام وزارة الخارجية منذ أربعة أعوام على التحذير من "أخطار جديدة تتعرض لها الأقليات الدينية في منطقة الشرق الأوسط بسبب موجة الثورات الشعبية التي تشهدها". هذا التحذير أتى في أيلول/ سبتمبر2011 تعليقاً من وزيرة الخارجية كلينتون على تقرير وزارتها عن الحريات الدينية في المنطقة لعام 2010، ووضعت فيه العراق ضمن الدول التي فشلت في الدفاع عن الحريات الدينية بسبب استهداف المسيحيين. مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان آنذاك نوّه هو أيضاً باعتداءات تعرضت لها الأقلية الشيعية في العراق.

نعم، كان مساعد وزير الخارجية آنذاك يتحدث عن الأقلية الشيعية في العراق، ناسياً النظام السياسي الذي أرسته إدارته بناء على وجود أكثرية شيعية في البلد، ومتجاهلاً تحكم بعض التنظيمات الشيعية، ومن ورائها إيران، بمفاصل الحياة السياسية والأمنية، أي أن السلطة العراقية "الطائفية" مقصرة في تأمين الحرية الدينية لأبناء طائفتها! المنطوق الأميركي، في هذه المناسبة وغيرها، لا يعترف بالحدود السياسية للدول، فهو يرى شيعة العراق أقليةً ضمن المحيط السني الأوسع، ويرى مسيحيي لبنان أقلية صغيرة جداً بالقياس إلى المحيط ذاته، ولا يُستبعد أن يرى كتلة حزب الله "الأكثر هيمنة على الساحة السياسية اللبنانية" من المنظور نفسه.

لقد كان مفهوماً في مطلع الشهر الأخير من عام 2011 أن تؤكد كلينتون على ضمان حماية الأقليات والمجموعات العرقية والنساء في سوريا ما بعد بشار الأسد، في اجتماعها في جنيف مع قادة المعارضة السورية، مع أنها طالبت المعارضة بطمأنة "الأقليات" في وقت كان فيه عدد القتلى يرتفع باطراد ممن تراهم في موقع "الأكثرية". في الواقع، لم تغب مسألة حماية الأقليات عن كلام كلينتون، أو خلفها في المنصب جون كيري، طوال السنوات الثلاث الأخيرة، حتى بدا في بعض الأحيان أن وزارة الخارجية ينبغي أن تُسمى "وزارة حماية الأقليات". لكن الأسوأ من التركيز على الصراع الدائر بوصفه صراعاً مذهبياً أو عرقياً فحسب هو عدم فعل شيء ملموس لمساعدة الأقليات، باستثناء فتح أبواب اللجوء أمام أبنائها إلى دول الغرب، ويعلم الكثيرون أن العديد من طالبي اللجوء نالوا حظوة في السفارات الغربية فقط لانتمائهم الطائفي أو العرقي، حتى مع انتماء بعضهم إلى السلطات الحاكمة أو إلى أجهزتها الأمنية التي مارست القمع طوال عقود.

إننا أمام حالة من النفاق المتواصل على عدة مستويات، فتسهيل اللجوء لأبناء الأقليات لا يشجعهم على حل مشاكلهم في بلدانهم الأصلية، وهو يعني من ناحية أخرى عدم رغبة الغرب تمكينهم من البقاء عبر سياسات تتجاوز الدعم اللفظي. لقد شهد العالم كله تهجير مسيحيي الموصل وإيزيدييها من دون تدخل فعال لإنقاذهم، لكن المجتمع الدولي نفسه شهد بصمت وتواطؤ تهميش مسيحيي لبنان عقوبة لهم على رفض نظام الوصاية السوري، ولم يتحرك لإخراجه إلا بعد تمكن ورثته المحليين من السيطرة على الحياة السياسية اللبنانية. بل لقد شهد مسيحيو لبنان مقدار الدعم الذي قُدم لهم عبر الإدارة الأميركية التي شاركت في إطاحة ثورة الأرز، ومن ثم دفعتهم إلى الالتحاق فيما تراه تحالفاً للأقليات يتجاوز حدود لبنان ومقدّراته.
أخطر من ذلك، رؤية الإدارة الأميركية، وغيرها من دوائر صنع القرار الغربي، لمسألة الأقليات في المنطقة على غرار الرؤية التي حكمتهم في التعاطي مع الموضوع الإسرائيلي، أي عدم النظر جدياً إلى الأقليات بوصفها جزءاً لا يتجرأ من النسيج السكاني والاجتماعي للمنطقة والنظر إليها كمجموعات غير منتمية إلى ثقافة المنطقة، وغير مشاركة في صنعها عبر التاريخ. بل نظر الغرب إلى الأنظمة الاستبدادية كأنها الوحيدة القادرة على حماية الاستقرار الداخلي، مثلما هي الوحيدة القادرة على ضمان الاستقرار الإقليمي، واستطاع تعميم نظرته بحيث جرى تصوير الديمقراطية على أنها تهديد للأقليات داخلياً مثلما هي تهديد للاستقرار الإقليمي والدولي.

في التجارب السابقة، كلما تعالى صوت الإدارة الأميركية في موضوع الأقليات كان ذلك نذير شؤم على الأخيرة التي لم تتعدَّ في ميزان السياسة كونها موضوع استثمار. رسالة كيري إلى نظيره اللبناني لا تقدّم جديداً جاداً على هذا الصعيد، ولو امتلك قدراً حقيقياً من التصميم لأخبره بأن إشارته البذيئة الشهيرة ليست النموذج الأنجع لمواجهة داعش.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب