آخر تحديث:03:06(بيروت)
الجمعة 12/07/2013
share

عشرة أيام هَزَّتْ العالم

النقيب رشيد درباس | الجمعة 12/07/2013
شارك المقال :
كَتَبْتُ عن "عبقرية الميدان" عندما اندلعت ثورة 25 يناير، بعد أن نَحَتُّ ذلك العنوان من الجغرافي العالمي الراحل جمال حمدان الذي أسهب في شرح "عبقرية المكان" في عمله الموسوعي عن "شخصية مصر" .
وها أنا أعود اليه مجدداً لأقبس عنه قوله " الجغرافيا تاريخ توقف والتاريخ جغرافيا متحركة"، بعد أن وجدت التاريخ   البشري يتدفق على الجغرافيا، فيحيل النيل بشراً والبلح رؤوساء والجسور أكتافاً تتراصف لعبور جديد.
وعن جمال حمدان أيضاً، عن ابن خلدون ، عن مقال للاستاذ احمد فرحات في مجلة "أفق" التي تصدر عن مؤسسة الفكر العربي ان "الدولة هي ظاهرة اجتماعية تنشأ بفعل القوانين الطبيعية"
وهذا يعني أن تلك القوانين التي يسنُّها التاريخ في تحريك الجغرافيا، وتنتجها الجغرافيا محاصيل وثماراً تجعل من التاريخ بستاناً من الأجيال، لا تستكين لمحاولات ترويضها، أو إلغائها، سواء كان ذلك بانقلاب عسكري او بإعلان دستوري، أو بمنظمومة عريقة في تأويل الاحكام الدينية وتسليط سيف الرهبة على مجتمع متدين منذ أقدم العصور.
في الثلاثين من يونيه(حزيران) ضاقت الأقمار الصناعية عن استيعاب المشهد، وتقسمت الشاشات مربعات صغيرة لاهثة وراء ما يفعله البسطاء ممن يعيشون في الهوامش، ففاجأوا العالم أنهم أصل المتن وخطُّه المدهش،ونصُّه الذي لا يحتمل التأويل.
وكانت الإرهاصات قد بدأت بفكرة "ساذجة" يكاد المرء يشيح عنها لدى سماعها، ولكن سكان الادوار العليا راحوا يُدَلّون سِلالهم من شرفاتهم الى أولئك "الصبية"  فيضعون لهم الاستمارات التي سرعان ما تعود اليهم موقعة بأخلاط الاسماء المسلمة والقبطية، وكلها تقول للرئيس "إرحل"، الى ان لاح " بدر"  التم، فارتاع المشاهدون وهم يرون "محمود بدر" المتمرد على المألوف، يعلن في الثامن والعشرين من يونيه أن التواقيع قد فاقت 22 مليوناً، ومن يومها بِتُّ أعد تلك الليالي العشر، ليلة بعد ليلة، حتى مطالع الفجر، فأغمض عينيَّ على كثير، وأستيقظ على أكثر، ليمتلىء قلبي بيقين أن " مصر تتحدث عن نفسها" بالجدارة كلها.
لقد كتب "جون ريد" عن "عشرة أيام هزت العالم"، وهي الأيام التي استطاع فيها البلاشفة  أن يحكموا القبضة على الثورة الروسية، بفضل التنظيم اللينيني الحديدي، وبقيادة نخبة مازالت أسماؤها تملأ صفحات الكتب وعلى رأسها لينين وتروتسكي  وستالين وزينوفيف وكامينيف الى آخر القائمة من القادة المحنكين في أمور التنظيم والتنظير والاقتصاد والتكتيك السياسي. ولكن أولئك الاشخاص كانوا يسندون ظهورهم الى خلفية شعبية قوية عمودها الفقري الطبقة العاملة، وجموع الفقراء الذين عانوا من النظام القيصري البائد ولهذا قفز الى ذهني ذلك العنوان البعيد عندما رحت أشاهد على مر الأيام  العشرة تحولاً غير مسبوق، يقوم به مجهولون ليس فيهم من يشبه لينين او أياً من رفاقه، يتحدث باسمهم "بدر" صغير، تأخذك بساطته ودقته وثقته بالكتل البشرية المتحركة، تَحِفُّ به قامات من الكهول والشيوخ الذين بثَّ ذلك الفتى فيهم الشباب، فوقفوا معه، موافقين على خطته البسيطة بساطة الاستمارة التي وقع عليها إثنان وعشرون مليوناً من المصريين الذين يحق لهم الاقتراع، وما يلفت ايضاً ان هؤلاء الشباب من "الجنسين والعنصرين" لا يبحثون عن الزعامة و أو المكاسب، ولكننا نراهم في إطار  فريد من  نوعه، يجلسون بكل اعتداد وتواضع مع رئيس الجمهورية، بقمصان "نصف كم" وينتعلون أحذية رياضية، لأنه لا وقت عندهم لارتداء " الملابس اللائقة"، فهم سيخرجون من القصر الى الميادين للإشراف على امن  الجماهير ومتابعة خطة التحرك.
وكي لا يظن القارىء أن الرومانسية قد غلبتني فأُخذِت بما يجري على خشبة المسرح وفاتني أن الاحظ ما وراء الستار وما يهمس به الملقن، اتدارك الأمر وأقول إن الشره المفرط المصحوب بقصر النظر وفشل الاداء وخسارة الصدقية، امور ألَّبت المجتمع المصري بأطيافه وطبقاته ومراكز قواه، ومؤسساته على نظام الحكم، فكان لا بد من حدوث توافق نادر التقى عنده البابا وشيخ الازهر وحزب النور، والشرطة والجيش، والقضاء والإعلام والأغنياء والمعدمون، والمثقفون والفنانون، واساتذة الجامعات والطلاب، والشيوخ والكهول والفتية الذين سرعان ما استعادوا زمام المبادرة وتوجهوا الى أهاليهم من غير وساطات، فوجدوا عندهم القبول، واكتمل المشهد كانه من مسرح اللامعقول، ولكن خشبة المسرح لم تعد بحاجة الى مُخْرج او ملقن، لان كلاً قد أدى دوره بمزيج رائع من الفطرة ودقة التنظيم، كأننا حيال "خَلْطة " يتقن الشعب المصري  وحده انتاج نكهتها . 
بعد هذا يحق للمثقفين  والدوائر الدولية وللديمقراطيين من خارج التيار الاسلامي، وللذين أفاقوا على غير توقع من حلم ليلة صيف، أن يصفوا ما حدث بأنه إنقلاب عسكري، أو تمرد على السلطة الشرعية، أو استيلاء غوغائي على الحكم، فهذا شأنهم وحقهم، أما شأن مصر وحقها، أنها رفضت انتظار حلول الاستحقاقات الديمقراطية حتى تنقذ نفسها من سعي حثيث قام به الإخوان لتغيير نمط حياتها؛ 
إن الاخوان المسلمين حركة نبتت من الأرض المصرية، وغرس اعتادت عليه الحقول، ولكن فَيُأْه أقصر من ان يمد ظلاله على القطر المصري كله، بصحاريه وتضاريسه المتنوعة ، ولسيوا آلهة الخصوبة، ولا يملكون الفحولة اللازمة كما يقول يوسف زيدان.
لقد أنشأ محمد علي " القناطر الخيرية" لكي يتحكم بتوزيع المياه، وشقّ ورثته من بعده "التُرَع"  لري الحقول البعيدة عن مجرى النيل، وأنشأ جمال عبد الناصر السد العالي وحول مجري النيل، ولكن أحداً لن يستطيع ان يُغيِّر لونه وعذوبة مذاقه، ورقراق نسيمه، أو يُرِكَّب له لحية مستعارة شَعْثاء، لأن  :
النيل نجاشي                 حِليوه أَسـمرْ
عَجَبْ لِلُونو                 دَهَبْ ومرمَره
أَرْغولو في إيدو               يسَّبحْ لسيدو 
حياة بلادنا                  يا ربّ زيدو
كما قال أمير الشعراء وغرد امير الطرب والموسيقا 
 
 

شارك المقال :