آخر تحديث:04:30(بيروت)
الإثنين 04/02/2013
share

تظاهرات العراق بين مسارين

شاكر الأنباري | الإثنين 04/02/2013
شارك المقال :
   بعد مرور أكثر من شهر ما زالت التظاهرات في المدن السنيّة غرب العراق متواصلة، وتحشد جمهوراً إضافياً يوماً بعد آخر، وتمتدّ في الجغرافيا العراقية لتصل إلى بغداد وديالى  وكركوك. لكنّ مركز الثقل الرئيس في تلك التظاهرات تظلّ محافظة الأنبار، في الرمادي والفلوجة تحديداً، إضافة إلى سامراء وتكريت. الملاحظ أن التظاهرات تتطوّر كمّاً ونوعاً، فهي من ناحية الكم تتضاعف وتمتدّ أفقياً، أما نوعياً فقد صارت تمتلك آليات منظمة تسمّى بلجان التنسيق، أسوة بتظاهرات الربيع العربي المحيطة بالعراق. هذه اللجان تنسّق أولاً لترتيب التظاهرات ذاتها، من تفتيش وإطعام وتواصل بين العشائر والقوى السياسية، وهي ثانياً للتواصل مع تظاهرات المحافظات الأخرى، حيث يتمّ التنسيق لوضع شعارات موحّدة وتسمية جمع التظاهرات، كما لوحظ في آخر جمعة موحّدة وقد سميت بجمعة الوفاء لشهداء الفلوجة.
في الجانب المقابل ما زالت الحكومة تنظر بحذر إلى التظاهرات، وكانت البداية تسفيه الشعارات، ثم التشكيك بالقائمين عليها، إذ وصفتهم بالبعثيين والقاعدة والتكفيريين. لكن ثبات التظاهرات، وازدياد شعبيتها حتى بين القوى السياسية غير السنيّة، أجبر الإعلام الحكومي على التروّي في الأوصاف تلك. صار هاجس الحكومة هو التحذير من اندساس البعث والقاعدة، والتحذير من تحويل المظاهرات السلمية إلى مسلّحة، وهو الأمر الذي ترفضه لجان التنسيق والمتصدّرون للتظاهرات من رجال دين، ووجهاء قبليّين، وسياسيين، وبرلمانيين ينتمون إلى تلك المناطق. ثمة التزام عرفي على سلمية التظاهرات. كانت التظاهرات في البداية تميل إلى الفوضوية في الشعارات واللافتات، كرفع أعلام النظام السابق بنجومه الثلاث، أو رايات سود تحيل إلى تنظيم دولة العراق الإسلامية المرتبط بالقاعدة، كما كانت بعض الهتافات توحي بطائفية مبطّنة، أو رفع صورة لرجب طيب أردوغان أو لصدام حسين، لكن ذلك كان في البداية، والحكومة استغلت مثل هذه الهفوات وطبّلت لها إعلاميا في محاولة لجر المشاهد، والمتلقّي عموماً، إلى تلك الهفوات الصغيرة وتناسي مطالب مئات آلاف المتظاهرين المشروعة، في كل من الموصل وتكريت وسامراء وكركوك والرمادي والفلوجة وبغداد، حسب اتفاق معظم القوى السياسية وكذلك مرجعية النجف الدينية.
وركزت المطالب الثلاثة عشر التي رفعها المتظاهرون على إلغاء قانون المساءلة والعدالة، اجتثاث البعث سابقاً، والذي طُبّق تقريبا على المناطق السنيّة بأكثف مما طبق في غيرها، وكذلك إلغاء إحدى المواد المتعلقة بالإرهاب، والمخبر السرّي، وإيجاد توازن طائفي في الدولة خاصة في الأجهزة الأمنية، وإطلاق سراح السجينات وتحريم التعذيب وغيرها من مطالب. ورغم أن بعضها صار حاجة سنّية بامتياز، لوجود انتقائية في التطبيق، إلا أن معظم المطالب أصبحت عامة، أيّدتها قوى سياسية وعشائرية عريضة. والجذب اليوم قائم بين اتجاهين داخل العراق: اتجاه يديم زخم التظاهرات ويدعو إلى سلميتها، ويحمّل الحكومة مسؤولية تأزّم الأوضاع إذا ما تلكّأت بتنفيذ المطالب، واتجاه حكومي متلبّس بالطائفية يرغب في رؤية نفوذ معيّن للقاعدة داخل التظاهرات لكي يجد تبريراً لقمعها، إضافة إلى إصراره على تسفيه مطالبها والمراوغة في الاستجابة لها، مع محاولة لتأليب الشارع الشيعي ضد التظاهرات والقائمين عليها، بحجة عودة البعث، كذلك الإصرار على إيجاد بدائل سنيّة تتّفق مع الحكومة، مع تجاهل لقادة المظاهرات وممثلي المناطق السنّية في البرلمان العراقي.
وكل هذه الالتفافات، والمراوغات، ينظر لها البعض على أنّها تتساوق مع ما يجري على الساحة الإقليمية، ومن ذلك دعم إيراني مطلق لنظام بشار الأسد الأقلّوي، واستخدام كافة الأوراق الرابحة للمساومة حول البرنامج النووي الإيراني، وتنشيط مدروس للصراعات الإقليمية على أساس طائفي. وكل هذه التوجهات لا يمكن لها أن تخدم العراق، البلد المنهك اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، المحتاج إلى حلول جادة وليس اختلاق أزمات من العيار الثقيل.

 

شارك المقال :