شاعت تقديرات لبنانية، بعد اغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله في العام 2024، أن "الحزب الذي دخل الدولة مع نصرالله، سيخرج منها بغيابه". عمّت تلك السردية وسائل الإعلام المحلية والدولية، وفاض المعلقون بتحليلات عن "نهاية حزب الله" وهزيمته.
استند هؤلاء آنذاك إلى ثقل نتائج المعركة، وسقوط النظام السوري البائد، و"الموج الدولي العالي" الذي رافق المرحلة تحت وابل النيران الإسرائيلية. كان الحزب، بالمعنى العسكري، مهزوماً بالفعل. وفي السياسة، انحسر نفوذه، وتراجع حضوره في الداخل إلى حد كبير على وقع الارتباك واالمخاطر التي تهدد قيادييه وضعف التواصل على مستوى القيادة. وسلّم أوراقه الداخلية لرئيس مجلس النواب نبيه بري.
لم يكد يمضي شهر واحد على تلك الوقائع، حتى كان الحزب لاعباً في انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وشارك في حكومة الرئيس نواف سلام بوزيرين، وأعطاها الثقة. ومنذ ذلك الوقت، ما زال وزراؤه في الحكومة، ولم يخسر أي عضو من كتلته البرلمانية، ولم يُستبعد بالكامل من التعيينات الإدارية.
إقصاء الحزب من الدولة
خلافاً للتقديرات السابقة، وللسرديات التي ما زال خصوم الحزب يروّجونها في وسائل الإعلام وفي منصات التواصل الإجتماعي، تشير الوقائع إلى أن الهزيمة العسكرية، لم تُترجم هزيمةً سياسية. يستدعي هذا الواقع التمعّن. فما يُحكى في وسائل الإعلام، يتضمن تمنيات أكثر منها وقائع، وذلك يعود إلى مجموعة معطيات، يتصل بعضها بالوضع الشيعي، وبوضع "حزب الله" نفسه، وبالتغيّرات الاقليمية، وبنتائج المعركة العسكرية نفسها، وبشخصية الأمين العام نعيم قاسم، وهي ملفات تُناقش على المستوى الدولي والداخلي، وتفضي إلى أن إقصاء الحزب من الدولة، غير متاح.
الشيعة...القوة العددية
والحزب، إثر الضربات الإسرائيلية والتوحش في التدمير والإقصاء، والتغوّل في الشروط، لم يصبح معزولاً عن الطائفة الشيعية، رغم تصاعد الأصوات من داخل الطائفة استنكاراً لاستمرار الحروب والمغامرات "من أجل الآخرين". الأرجح أن مصير الحزب بات أكثر ارتباطاً بالطائفة من أي وقت مضى، مثلما مصيرها جزء من مصيره. وضمن هذا المفهوم، تُصاغ المقترحات الدولية للحل. فمثلاً، في "حدث" إضاءة صخرة الروشة، العام الماضي، انعكست صورة نصر الله على الصخرة بدفع الوافدين والمحتشدين، لا بقوة الحزب العسكرية، على الرغم من معارضة الحكومة ورئيسها. فتبلورت فكرة أخرى ضمن النقاشات الدولية، مفادها أن قوة الحزب ليست مستمدة من سلاحه وحده، بل أيضاً من الديموغرافيا الشيعية التي تمثل نحو 31% من اللبنانيين، والتي ما زال الحزب يمسك بزمامها، عسكرياً، كما اجتماعياً واقتصادياً وأمنياً.
وعليه، لا تصحّ مقاربة أي صيغة للتعامل معها باستلهام تجربة "منظمة التحرير الفلسطينية" العام 1982، من قبيل إبعاده أو إخراجه من البلد، ولو رمزياً، أو فقط في ما يتعلق بالدولة. بل من زاوية احتوائه وتغيير سلوكه، ونقله من التجربة العسكرية إلى التجربة السياسية بالكامل.
الهزيمة العسكرية
يدرك الحزب، بعد تعرضه لنكسات عسكرية متتالية وكبيرة، أن عليه التعديل في التجربة، إنطلاقاً من أن القوة العسكرية ليست قوة مطلقة كاسِرة للتوازن، بل تكمن قوته في امتداد الشيعة اللبنانيين داخل أوطانهم. عددهم ربما، وقوة حضورهم في المشهد الداخلي اقتصادياً كقوة إنتاج واستهلاك وإنفاق، وكقوة علمية واقتصادية، بعدما ارتفع مستوى النخب العلمية فيها بشكل قياسي خلال العقدين الماضيين.
أما ما تبقى من القوى العسكرية، فهو لا يتخطى كونه هيبة سلاح مؤقتة، لن تكون أكثر من ضمانة لاستخدامها في الداخل في حالات إقصاء الحزب بالقوة من المشهد السياسي والإداري. وهي فرضية مستبعدة في الوقت الراهن، على الأقل في الأروقة الدبلوماسية الدولية، بمعزل عن تصريحات اللبنانيين ممن أصحاب الرؤوس الحامية في مواقع التواصل والشاشات. فالحزب ما زال قوة عسكرية حاضرة، ولو مكسورة ومهشّمة، ولم تنتهِ كما يشتهي البعض.
صعود السنّية الإقليمية
وتزداد عوامل تجنّب إقصاء الحزب، بالمتغيرات الدولية، وتحديداً التصدي السنّي الإقليمي لطموحات رئيس الوزراء الإسرائيلي لوراثة النفوذ الإيراني في الإقليم، وإبعاد القوة السنّية الإقليمية عن ساحاتها الطبيعية مثل سوريا ولبنان وفلسطين والخليج العربي. ذلك المتغيّر، يمثل قوة لـ"حزب الله"، وربما لإيران التي لم تُهزم على نحو ساحق بعد، رغم انتكاساتها العميقة وأنين شعبها جراء الحصار والعقوبات. ما زالت إيران، راعية "حزب الله"، تمتلك أوراق ضغط وقنوات إتصال مع القوى الإقليمية الفاعلة، لا سيما تركيا والسعودية وباكستان، مما يضع مستقبل الحزب في قلب أي تسوية مقبلة، أو اصطفاف إقليمي محتمل.
قاسم و"الأممية الشيعية"
من هذه المتغيرات، يخوض الحزب تجربته الجديدة. يتموضع في الداخل، ويلوذ بإيران عندما يشتد الخناق عليه، خلافاً لتجربته السابقة كرأس حربة في معارك إيران وطموحاتها الإقليمية. انقلبت الأدوار. وقد لا يكون تبدلها ناتجاً فقط عن النتائج العسكرية للحرب الأخيرة، بل يرتبط أيضاً بشخصية الأمين العام الجديد. ذلك أن قاسم، لم يكن يوماً "شيعياً أممياً" بالمعنى الذي آمن به سلفه حسن نصرالله، وهو ما أبعده من القيادة طوال السنوات الثلاثين الماضية.
تسلم قاسم، خلال ثلاثة عقود، الملف الداخلي. أدرك تفاصيله وزواريبه. وعليه، فإن تموضعه التاريخي في الداخل، يجعله أكثر صلابة من سلفه في المطالبة بمكتسبات تعويضية عن الانحسار إلى الداخل اللبناني، مما يجعل التسوية معه على التموضع السياسي، ممكنة، لكنها ليست بالسهولة المتخيلة. هكذا، تمسي توقعات بعض المعلقين والمحللين في الشاشات، بعد عامين على الحرب-المَقتَلَة، أشبه بسوء تقدير، كونها تتجاهل تلك الوقائع كلها، وتبني تصورها عن مستقبل "حزب الله"، أحلاماً ترتقي إلى مستوى الأوهام.




