نشرت صفحة "نسيم ميديا" في فايسبوك، والتي تظهر بياناتها أنها أنشئت في أيار 2026، إعلاناً عن مسابقة بعنوان "إرث الأمين"، لمناسبة الذكرى السنوية لاغتيال الامين العام السابق لحزب الله، السيد حسن نصرالله.
وبحسب الإعلان، ينظم "مركز نسيم" المسابقة لتقديم ملصقات وفيديوهات قصيرة تستند إلى مقتطفات من كلمات نصرالله، وتتناول مفاهيم مثل الإيمان بالله، والصبر، وولاية الفقيه، والجهاد، وفضل الشهداء.
ومن المقرر عرض المشاركات ابتداءً من الأحد 27 أيلول، ولمدة أسبوع، عبر منصات المركز، على أن تحصل الأعمال الثلاثة التي تنال العدد الأكبر من الإعجابات والمشاركات على جوائز.
حاولت "المدن" التواصل مع المركز للاستفسار عن طبيعة المسابقة، والجهة المنظمة، وقيمة الجوائز، إلا أن المركز رفض الإدلاء بأي معلومات إضافية.
تثبيت الإرث
واختيار اسم "إرث الأمين"، والموضوعات التي يُطلب من المشاركين تناولها، يفتحان الباب أمام قراءة أوسع لما تريده بيئة الحزب من إحياء ذكرى نصرالله في هذه المرحلة.
فالحديث هنا لا يقتصر على قائد اغتيل، وإنما على منظومة أفكار ومفاهيم يُراد لها أن تبقى حاضرة، من الإيمان، والصبر، والشهادة، والجهاد، وولاية الفقيه، إضافة إلى مفردات المقاومة والانتصار. تظهر تلك المفاهيم، محاولات متزايدة لإعادة تثبيت صورته وإرثه، عبر تحويل خطبه ومفاهيمه إلى مادة ثقافية وإعلامية موجهة.
خطة إعلامية وثقافية
بالنسبة إلى الصحافي والباحث قاسم قصير، لا تأتي هذه الأنشطة منفصلة عن سياق المناسبة وأدبيات الحزب. يقول لـ"المدن" إن "حزب الله لديه خطة إعلامية وثقافية متكاملة لمواجهة المرحلة الصعبة التي يخوضها، سواء على مستوى مواجهة العدو الإسرائيلي أو من خلال مواجهة الحملة التي تعرّض لها من بعض الشخصيات والجهات".
ويرى قصير أن الحزب يعمل ضمن "خطة متكاملة ثقافية وإعلامية" تتمحور حول مفاهيم الصمود والقدرة على مواجهة العدوان والاستمرار والنصر، مشيراً إلى أن الحزب ينظم في هذا الإطار ندوات وأنشطة متعددة.
"إرث" في مرحلة الخسارة؟
لكن أهمية هذه المحاولة، بحسب معارضين شيعة، لا تنفصل عن حجم التحولات التي شهدتها بيئة "حزب الله" خلال العامين الأخيرين، بدءاً من الحرب وصولاً إلى اغتيال عدد كبير من قياداته، وفي مقدمهم الأمين العام السابق حسن نصرالله.
ويرى هؤلاء أن خطاب الحزب على مدى العقود الماضية ارتكز إلى حد كبير على مفردات الإنجاز والانتصار، من تحرير الجنوب عام 2000، إلى حرب تموز 2006، وصولاً إلى تقديم تدخله العسكري في سوريا بوصفه جزءاً من معركة إقليمية أوسع. أما اليوم، فتجد بيئته نفسها أمام خسائر بشرية وسياسية وعسكرية كبيرة، إضافة إلى غياب شخصية شكّلت، على مدى سنوات، محوراً أساسياً في صياغة خطاب الحزب وتعبئة جمهوره.
استمرار السردية
ومن هذا المنظور، يقرأ المعارضون الشيعة إعادة استحضار خطب نصرالله وإرثه باعتبارها محاولة للحفاظ على استمرارية السردية التي حكمت خطاب الحزب، رغم تبدل الظروف التي أنتجتها. ويقول أحد هؤلاء إن من الطبيعي أن تحاول أي بيئة سياسية فقدت قائدها إعادة تقديم إرثه، ولا سيما عندما يكون هذا القائد قد شكّل لعقود جزءاً أساسياً من هويتها السياسية والتنظيمية.
ويضيف أن "خطابات نصرالله كانت تركز بصورة أساسية على الربح والانتصار والقدرة على تجاوز الأزمات"، فيما تفرض المرحلة الحالية التعامل مع خسائر يصعب فصلها عن الخيارات التي قادها الحزب خلال السنوات الماضية.
معنى ديني للخسارة
ومن هنا، يرى المعارضون أن إحياء نصرالله لا يقتصر على استعادة صورته أو إعادة نشر كلماته، بل يتصل أيضاً بمحاولة إعطاء معنى سياسي وديني للخسارة التي أصابت البيئة التي قادها.
وبحسب هؤلاء، فإن اغتيال نصرالله وعدد من كبار قادة الحزب، إلى جانب سقوط آلاف الشهداء خلال الحرب، خلق حاجة داخل هذه البيئة إلى رواية تفسر حجم الخسائر وتضعها ضمن سياق أوسع. وفي هذه الرواية، يُعاد تقديم نصرالله لا بوصفه قائداً سابقاً فحسب، بل باعتباره قائداً "استشهد" وهو متمسك بخياراته، بما يحول مقتله من نهاية لمرحلة سياسية إلى جزء من إرث يُراد الحفاظ عليه وإعادة إنتاجه.
ويرى هؤلاء أن إضفاء البعد الديني على هذه السردية، من خلال مفاهيم الشهادة والصبر والإيمان والجهاد، يساهم في إعادة تأطير الخسارة، وتحويلها من خسارة سياسية وعسكرية إلى قضية ذات معنى ديني وأخلاقي، وهو ما يفسر، برأيهم، التركيز المتزايد على مفردات نصرالله وخطبه وإرثه في الأنشطة الثقافية والإعلامية.




