تريند الثمانينيات...وذاكرة السوريين الملونة عن عقد دموي

مصطفى الدباسالسبت 2026/09/26
0681e2a0d-2529-4ca1-b88a-e05617c82c2a_4x3_690x515.jpg
حافظ ورفعت الأسد (أرشيف)
حجم الخط
مشاركة عبر

خلال أيام قليلة، امتلأت حسابات السوريين في مواقع التواصل بصور مولدة بالذكاء الاصطناعي تعيد أصحابها إلى الثمانينيات، بشعر كثيف وشوارب عريضة وسترات واسعة وألوان فاقعة وسيارات قديمة وخلفيات تشبه استوديوهات التصوير التي ما زالت صورها محفوظة في ألبومات العائلات. 

وسرعان ما توسع الترند ليشمل صور سياسيين وقادة وإعلاميين أعاد المستخدمون تصميمها، ثم وصل إلى مقاطع من مسلسلات سورية أُعيد تشكيلها وفق جماليات الفترة، فيما اختار أشخاص عاشوا تلك السنوات فعلاً نشر صورهم الأصلية وكأنهم يقدمون دليلاً صغيراً على أنهم كانوا هناك.

واكتسبت الموجة الحالية زخماً مطلع أيلول/سبتمبر عبر "إنستغرام"، وساعدت خاصية "Add Yours" على انتقالها من حساب إلى آخر، إلا أن الثمانينيات كانت استعادت حضورها في الثقافة الشعبية قبل ذلك بسنوات، حيث أعادت مسلسلات مثل "Stranger Things" تقديم العقد لجيل لم يعشه، كما استعادت الموضة قصاته وألوانه وأكتافه العريضة، وعادت موسيقاه إلى التداول عبر أعمال تلفزيونية وأفلام ومقاطع قصيرة. لذلك كان لدى المستخدم الشاب تصور جاهز تقريباً عن العام 1985 قبل أن يطلب من الذكاء الاصطناعي وضعه داخله.

فوق طبقة أقدم من النوستالجيا

وصل التريند إلى سوريا فوق طبقة أقدم من النوستالجيا، حيث تقوم صفحات وحسابات كاملة في وسائل التواصل ومنذ سنوات على إعادة نشر الإعلانات التلفزيونية القديمة وشارات البرامج والمقاطع الموسيقية وصور الشوارع، وتظل مواد من الثمانينيات والتسعينيات قادرة على جذب آلاف المشاهدات والتعليقات. وكان التلفزيون المحدود القنوات يصنع تجربة مشتركة يصعب تكرارها اليوم، فأعداد كبيرة من السوريين كانوا يشاهدون الإعلان نفسه وينتظرون البرنامج ذاته ويحفظون الأغنية نفسها، فيما تفرقت هذه التجربة لاحقاً مع الفضائيات والإنترنت ثم الحرب والهجرة وتوزع السوريين بين دول ومنصات مختلفة.

وللثمانينيات السورية قاموسها الخاص وكان الكاسيت حاضراً في البيت والسيارة والسيران، والتلفزيون جزءاً ثابتاً من غرفة الجلوس، فيما ارتبط التصوير بالمناسبات التي تستحق استهلاك فيلم ثم انتظار التحميض والطباعة، كما حفظت الصور رحلات الغوطة والزبداني وبلودان والزيارات العائلية الطويلة وحفظت أيضاً الأطفال في الشوارع والأثاث الخشبي الثقيل  والملابس ذات الألوان القوية. ويوثق "أرشيف الكاسيت السوري" نشاط شركات تسجيل محلية في حلب ودمشق خلال تلك الفترة.

دفتر التموين وطريق لبنان

خلف الصور المبتسمة، كانت هناك حياة يومية لها قواعدها الخاصة، تشكلت من تراكم السبعينيات قبل أن تتكرس في الثمانينيات، حيث توسع التعليم المجاني ليصل إلى الريف ويفتح أبواباً جديدة أمام أبناء الطبقات الفقيرة، لكنه في الوقت نفسه صار أكثر تسييساً مع دخول تنظيمات مثل "طلائع البعث" و"اتحاد شبيبة الثورة" إلى المدارس. وتحولت الوظيفة الحكومية إلى عنوان للاستقرار والصعود الاجتماعي، وهو ما ساعد على تشكّل طبقة وسطى مختارة من نظام الأسد.

في الجانب الاقتصادي، دخلت البلاد منتصف الثمانينيات في أزمة متصاعدة مع تراجع أسعار النفط وانكماش العائدات وتنامي أعباء الإنفاق العسكري والدور السوري في لبنان، إلى جانب نقص حاد في العملات الأجنبية، وشدّدت الدولة سيطرتها على الاستيراد والتوزيع، وتحوّلت مواد أساسية كالسكر والأرز والشاي والزيت إلى سلع تموينية توزَّع بكميات محددة عبر مؤسسات رسمية، فصار "دفتر التموين" والطابور جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، وصارت الأسرة تتدبّر أمرها بحسب ما هو متوافر لا بحسب ما تريد. في المقابل، تحوّلت سلع مثل الموز والسشوار والسجائر الأجنبية والتلفزيون الملون، وهي أشياء عادية في أماكن أخرى، إلى مواد ذات قيمة خاصة ترتبط غالباً بالتهريب والسوق الموازي، وصار "طريق لبنان" بوابة أساسية لهذا الاقتصاد الموازي، من المهرّبين إلى السماسرة وصولاً إلى المستهلك.

وتغيّر الريف أيضاً بسرعة خلال هذا العقد، وأدى تراجع الزراعة وموجات الجفا، خصوصاً قرب نهاية الثمانينيات، إلى إضعاف دخل الفلاحين وزيادة ديونهم، فدفع ذلك مزيداً من الناس نحو المدينة أو نحو الوظيفة الحكومية والتطوع في الجيش كبديل عن الأرض. ومع توسّع دمشق وحلب وغيرهما من المدن، نشأت مناطق عشوائية سبق فيها العمران الخدمات، لتترافق هذه التحولات الاقتصادية والريفية مع تماسك اجتماعي مضاد، فبقيت العائلة والجيران شبكة أساسية يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية، ومصدراً للدفء والأمان وسط الضغوط المتزايدة.

 

ذكرى السيران قبل ذكرى "الطوارئ"!

ويرتبط سحر تلك المرحلة لدى كثيرين أيضاً بالعمر الذي كانوا فيه خلالها، من عاش الثمانينيات طفلاً يتذكر الأب والأم والمدرسة وبيت الجدة والسيران والطريق إلى المنزل أكثر مما يتذكر التضخم أو قوانين الطوارئ. وحين يصف تلك السنوات بأنها آمنة، فقد يكون الأمان جزءاً من تجربته الشخصية المرتبطة بالطفولة وبوجود عائلة تتولى عنه مسؤولية الحياة لا بالضرورة انعكاساً لحال البلد كله في تلك اللحظة لأن الطمأنينة التي يوفرها بيت وعائلة لا تشبه بالضرورة طمأنينة المجال العام في الخارج.

واكتسب هذا الحنين ثقلاً إضافياً بعد العام 2011، فقد تظهر في صورة واحدة عائلة أصبحت لاحقاً موزعة بين دمشق وبرلين وإسطنبول أو بيت تغيرت ملامحه أو شخص لم يعد موجوداً، في هذه الحالات تحمل الصورة زمناً ومكاناً معاً، وتصبح استعادة الماضي مرتبطة أيضاً بسوريا التي سبقت الحرب الأخيرة وتشتت العائلات.

صور لم تحدث...صور حدثت

ومن المفارقات أن أداة تصنع صوراً لم تحدث دفعت كثيرين إلى البحث عن صور حدثت فعلاً، حيث فتح أشخاص ألبوماتهم ونشروا صورهم الأصلية، فتحول الترند إلى حوار بين أجيال مختلفة، جيل عاش الفترة وآخر يحتفظ منها بذكريات طفولة، وأجيال أصغر تعرفها عبر صور الأهل والدراما والثقافة الشعبية. كما أصبحت الصور الحقيقية وسيلة لتصحيح ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، حين يلاحظ من عاشوا المرحلة أن سيارة أو تسريحة شعر أو أثاثاً معيناً أقرب إلى الثمانينيات الأميركية من سوريا التي عرفوها.

ومهما اتسع هذا الحنين إلى تلك الفترة، إلا أنها تحمل في الذاكرة السورية تاريخاً أكثر قسوة من الصورة التي ينتجها الترند، ففي حزيران/يونيو 1980 قُتل مئات المعتقلين في سجن تدمر بعد محاولة اغتيال حافظ الأسد، ثم صدر القانون 49 الذي جعل الانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين جريمة تصل عقوبتها إلى الإعدام. وفي شباط/فبراير 1982 شهدت حماة واحدة من أكثر محطات حكم الأسد الأب دموية، مع قتل واسع ودمار واعتقالات واختفاءات. 

وتستوعب الذاكرة السورية هذه التناقضات لأن التجارب الشخصية اختلفت جذرياً داخل البلد نفسه، فعائلة خرجت في سيران عام 1985 واحتفظت بصورة سعيدة من ذلك اليوم، بينما كانت عائلة أخرى تنتظر خبراً عن معتقل في تدمر. تمنح الصورة العائلية شهادة صادقة عن حياة أصحابها، فيما يحتاج فهم العقد إلى إضافة ما بقي خارج إطارها،  وهو بالضبط الإطار نفسه الذي غاب عنه من لم يملكوا كاميرا أصلاً، أو من كانت كاميراتهم موجهة نحو أشياء أخرى غير السيران والأعراس.

وتزداد هذه المفارقة مع استعداد الدراما السورية لاستعادة الفترة من زاوية أخرى، حيث أنهت شركة "ميتافورا" تصوير مسلسل "العاصي" للمخرج الليث حجو، والمقرر عرضه في رمضان 2027، والمستند إلى رواية فواز حداد "السوريون الأعداء"، مع أحداث مرتبطة بحماه وسجن تدمر وبنية السلطة في تلك المرحلة، وهكذا تعود الثمانينيات إلى الشاشة السورية في اللحظة التي يعيد فيها الذكاء الاصطناعي إنتاجها بألوانها وملابسها وصورها العائلية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث