من فرانكلين روزفلت والشيوعية إلى الإسلام والذكاء الاصطناعي، لم يتوقف بعض المؤمنين طوال قرون عن البحث في تحولات العالم ومخاوفه عن علامات تؤكد نبوءات دينية قديمة حول "نهاية الزمان"، فيما تتغير هوية أسطورة "المسيح الدجال" المفترض من عصر إلى آخر، بحسب الخوف الأكثر حضوراً في كل مرحلة. واليوم، جاء دور الذكاء الاصطناعي.
ومع الانتشار السريع للتكنولوجيا والقلق المتزايد من تأثيراتها في الوظائف والمجتمع والسياسة، بدأ عدد من القساوسة والمؤثرين المسيحيين في الولايات المتحدة تحديداً، يربطونها بنبوءات "نهاية الزمان"، وذهب بعضهم إلى التساؤل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي نفسه هو "الوحش" أو "النبي الكذاب" الوارد في "سفر الرؤيا" حسبما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
وقال القس المؤثر في أتلانتا فيليب أنتوني ميتشل أن "الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً رئيسياً في أحداث نهاية الزمان"، فيما تساءل قس الكنيسة غريغ لوري عما إذا كان يمكن أن يكون جزءاً من سيناريو نهاية العالم، ليجيب بأن ذلك "ممكن جداً". أما القس مايك سيغنوريللي، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أنه ربما يكون جزءاً أساسياً من الطريقة التي سيظهر بها "المسيح الدجال" حسب تعبيره.
وتقوم التصورات الدينية على قراءات نبوئية لسفر الرؤيا، آخر أسفار العهد الجديد، بما يتضمنه من صور غامضة ومخيفة عن وحوش وصراعات ونهاية للعالم. وبينما يتعامل كثير من المسيحيين مع تلك الصور بوصفها رموزاً مرتبطة، جزئياً على الأقل، بظروف الكنيسة الأولى والإمبراطورية الرومانية، يواصل آخرون البحث عن تطبيقات حرفية لها في العالم المعاصر، فيما ينظر الباحثون التاريخيون واللغويون إلى ذلك كله على أنه أدب رديء لا أكثر.
ويمكن أن يتحول أحدث اختراع تكنولوجي يثير الخوف والارتباك إلى دليل جديد على اقتراب النهاية، لكن الذكاء الاصطناعي ليس استثناء بقدر ما هو حلقة جديدة في نمط تاريخي متكرر، يجري فيه إسقاط مخاوف كل عصر على النصوص الدينية، ثم إعادة تفسير تلك النصوص بطريقة تجعل الأحداث المعاصرة تبدو وكأنها تحقق نبوءات كتبت قبل قرون.
وقالت أستاذة اللاهوت والمتخصصة في أخلاقيات التكنولوجيا نورين هيرزفيلد أن خطاب "نهاية الزمان" المزعوم يزدهر خصوصاً خلال فترات التحولات الكبرى، لأنه يوفر للناس طريقة لفهم الضغوط الاجتماعية والشعور بأن الأحداث المحيطة بهم ليست عشوائية، بل جزء من خطة إلهية، وتلك واحدة من أسوأ الصفات البشرية عموماً.
ويبدو الذكاء الاصطناعي مادة مثالية لهذا النوع من الإسقاط. فتطوره السريع ترافق مع تحذيرات من فقدان الوظائف وانتشار المعلومات المضللة وتغير طبيعة العمل، إضافة إلى سيناريوهات أكثر تطرفاً يطرحها بعض العاملين في قطاع التكنولوجيا نفسه حول مخاطر محتملة على البشرية. وبالنسبة إلى من يؤمن مسبقاً بسردية دينية لنهاية العالم، يصبح من السهل إدخال المخاوف الجديدة ضمن القالب القديم نفسه.
ولا يقتصر الأمر على مجموعة هامشية صغيرة. فبحسب استطلاع أجراه "مركز بيو للأبحاث" العام 2022، قال نحو 39% من البالغين الأميركيين أنهم يعتقدون أن البشرية تعيش في "نهاية الزمان"، وارتفعت النسبة إلى 47% بين المسيحيين الأميركيين. لكن المشكلة التي تواجه محاولات العثور على أسطورة "المسيح الدجال" في الذكاء الاصطناعي اليوم، هي أن أجيالاً سابقة كانت واثقة بالقدر نفسه تقريباً من العثور عليه في أماكن أخرى.
وتذكر أستاذ الدراسات الدينية في "جامعة إيلون" بولاية كارولاينا الشمالية، جيفري سي. بيو، أن جدته كانت تعتقد أن الرئيس الأميركي فرانكلين ديلانو روزفلت هو "المسيح الدجال" بعدما وصل إلى السلطة خلال الكساد الكبير وطرح "الصفقة الجديدة"، التي مثلت تحولاً كبيراً في دور الحكومة الأميركية. واعتبر بيو أن ذلك يكشف "عدم منطقية محاولة إسقاط الأحداث الجارية على سردية كتابية محددة".
ومع الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، من الاغتيالات السياسية والاحتجاجات المناهضة للحرب إلى حركة الحقوق المدنية والثقافة الشبابية المضادة، ازداد انتشار القراءات التي تبحث في الأحداث اليومية عن إشارات إلى نهاية العالم. وفي السبعينيات، ساهم انتشار كتاب ديني بعنوان "الكوكب الأرضي العظيم في أيامه الأخيرة" في ترسيخ الربط بين نبوءات "الكتاب المقدس" والأحداث السياسية المعاصرة. ومنذ ذلك الوقت، باتت الاضطرابات الكبرى تقرأ بصورة متكررة من خلال عدسة "نهاية الزمان" لدى المتدينين.
وخلال الحرب الباردة، أسقط بعض المؤمنين صورة "المسيح الدجال" على الاتحاد السوفيتي والشيوعية. وبعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، انتقلت الصورة لدى بعض المسيحيين إلى الإسلام. واليوم، في عصر الخوارزميات والنماذج اللغوية والروبوتات، أصبح الذكاء الاصطناعي مرشحاً جديداً. واختصر بيو ذلك المسار بالقول أن "مخاوف كل عصر تميل إلى أن تسقط نفسها على هذه السرديات المتعلقة بنهاية الزمان".
وحتى داخل الأوساط الدينية، لا تحظى القراءات بإجماع. فالقس الأسترالي ستيفن دريسكول، مؤلف كتاب "صنعنا على صورتنا: الله والذكاء الاصطناعي وأنت"، وصف الذكاء الاصطناعي بأنه إحدى أكثر التقنيات التي ابتكرها البشر إثارة للخوف، ولا يستبعد نظرياً ربطه بـ"المسيح الدجال"، لكنه يرى في الوقت نفسه أن استخدام الكتاب المقدس أداةً للتنبؤ بالمستقبل ليس مفيداً.
ويبقى الثابت، بعد عقود من النبوءات المتبدلة، ليس هوية أسطورة "المسيح الدجال"، بل استمرار البحث عنه. فكل جيل من المؤمنين يجد في أكثر ظواهر عصره إثارة للخوف أو الغموض مادة مناسبة لإعادة قراءة النصوص الدينية القديمة بكل ما تحويه من أمور غير منطقية: رئيس إصلاحي في الثلاثينيات، الشيوعية خلال الحرب الباردة، الإسلام بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، والذكاء الاصطناعي اليوم.




