التربية كمهنة مهدَّدَة بالانقراض

سوزان ماهرالجمعة 2026/09/25
"مستقبل في الأفق" - منى أسمر هيكر
"مستقبل في الأفق" - منى أسمر هيكر
حجم الخط
مشاركة عبر

كانت الساعة الرابعة بعد الظهر، والرواق الطويل في "المدرسة الدولية" غارق في صمت ثقيل، لا يقطعه إلا صرير قلم جاف يخطّ أرقاماً متسارعة في مكتب المدير العام، الأستاذ عاصم.


في الجهة المقابلة من المكتب، جلست حنان برأس مرفوعة، وعينين منهكتين لكنهما مشعتان ببريق لا ينطفئ. السيدة الأربعينية التي تفوح من ثيابها أناقة وجمال، ليست مجرد مديرة قسم أو معلمة، بل "الأم الروحية" لكل طفل في الروضة، والملجأ النفسي لكل تلميذ وأستاذ في الوقت نفسه، وموقع شكاوى الأهل. كان تلامذتها يدركون أن خلف عينيها الصارمتين، قلباً يتسع لكل تفاصيلهم الصغيرة، حزنهم، ومشاكل عائلاتهم، وحتى خطوط أيديهم المرتجفة في الامتحانات.


"أرقامكِ لا تعجبني يا حنان"، قالها عاصم من دون أن يرفع عينيه عن هاتفه المحمول. عاصم مدير عام يرتدي حداثة زائفة، يزن التربية بميزان الأرباح والخسائر، ويرى المدرسة مجرد "شركة" لبيع الشهادات. تابَع بنرة مُقنّعة بالمصلحة العامة: "تقرير الأسبوع الفائت يظهر أنكِ أمضيتِ ساعة كاملة لمتابعة الوضع النفسي للأستاذة نورا. هذا تضييع للوقت والجهد الإداري! نحن هنا لندير نظاماً، لنعدّ تقارير إنجاز نرسلها لوزارة التربية ولأولياء الأمور، ولسنا جمعية خيرية لمداواة القلوب الجريحة. لقد قمتُ بنقل هذا الوقت من حساب ساعات عملكِ الإدارية، وأرسلنا لك لفت نظر". 

 

نزلت الكلمات على حنان كالصاعقة، لكنها لم تكن مُفاجئة. شعرت بمرارة شديدة. لقد تحول هذا الصرح الذي تعتني بأدق تفاصيله، إلى "مصنع" يعمل على رفع مستوى إنتاجه. صرنا نتقن إدارة الأنظمة، لكننا نهمل الإنسان داخلها. نقيس الأرقام، وننسى القلوب. نعد التقارير، ونغفل عن الأثر.
 

وقفت حنان: "أستاذ عاصم، عندما يتحول الحزم إلى قسوة مبررة، والرقي إلى تعالٍ مقنّع، تفقد التربية معناها الأصيل. أنا لم أعمل يوماً لأجل تقرير يوضع في درج مكتبك. إن كنت ترى في شغفي وتفاني في عملي تضييعاً للوقت، فأنا أرى في البقاء في هذا المكتب تضييعًا لذاتي وكياني".

 

لم تكن الدكتورة حنان امرأة عادية تشق طريقها بالصدفة. كانت حياتها لوحة رُسمت تفاصيلها بالصبر الدقيق والترتيب الصارم. ولما كانت قريناتها يتهافتن على التبضع، كانت هي تبني مملكتها الخاصة. ملأت رفوف بيتها بالكتب، والأبحاث، وأوراق الاطلاع. رغم قسوة الحياة ومسؤولياتها، لم تسمح يوماً لطموحها الأكاديمي أن يسرقها من واقعها. كانت توازن بين إعداد وجبة دافئة ومنمقة، وبين صياغة الأطروحة تحت ضوء مصباح خافت بعد أن ينام الجميع، ونالت شهادتها بتقدير مميز. لكن الصدق كان أثمن وأخطر ما تملك. هي امرأة ولدت بوجه واحد، لا تقوى على التزييف، ولا تتقن لغة المداهنين. 

 

في المقابل، الأستاذ عاصم رجل مأزوم يحيط نفسه بمملكة هشة من الأعوان والمنافقين. لقد أدركت حنان باكراً أن هجومه الأخير عليها واتهامها بـ"الإهمال وعدم الاهتمام" لم يكن تقييماً حقيقياً لها، بل درعاً بائسة ليحاول إخفاء فشل تعييناته العشوائية، والتغطية على فوضى إدارته. لطالما زعم أنه يطبق "مناهج عالمية"، لكن حنان تدرك أنه بعيد كل البعد عن المعايير الدولية. المناهج العالمية تهتم أولاً وأخيراً بالمقاييس العلمية العالية التي تراعي الإنسان، وتصون حقوقه، وتهتم بالتنشئة الاجتماعية السليمة، لكن كيف يمكن لفاقد الشيء أن يعطيه؟!

 

في ذلك المساء، جلست حنان في غرفتها، محاطة بالكتب. نظرت إلى شهادة الدكتوراه المعلقة على الجدار، ثم إلى دفاتر تحضيرها المدرسي المنظمة بدقة متناهية. كيف يمكن لكل هذا التعب، وهذه السنين من التضحية والسهر، أن تُختزل بجرّة قلم من مدير تحركه مزاجيته؟ مسحت دمعة هربت من عينيها، وتحولت حرقة الظلم في أعماقها إلى صلابة. التفتت إلى حاسوبها المحمول، وفتحت صفحة بيضاء. 

 

لن تكتب استقالة باكية أو اعتذاراً تبرر فيه صدقها. بل ستكتب رسالة تفكك فيها تقاريره الكاذبة، وتفضح "مملكته العالمية". هذه المرة، هي لا تدافع عن وظيفتها، بل عن مهنة مهددة، مهنة التربية العصرية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث