تظهر لي في "إنستغرام" مقاطع ريلز لمدن أثرية في العالم. مدرجات رومانية هائلة، أعمدة مضاءة ليلاً، حجارة بقيت في مكانها قروناً طويلة، وأناس يمشون بينها بملابسهم العادية، يحملون هواتفهم ويصوّر بعضهم بعضاً. أكثر ما يلفتني في هذه الفيديوهات، ليس عمر المدن، بل الطريقة التي تبدو بها جزءاً من الحاضر. لا أحد يتصرف كأنه يقف أمام ماضٍ بعيد. الناس يذهبون إليها كما يذهبون إلى أي مكان آخر يريدون أن يروه، يلتقطون صورهم، يجلسون في المقاهي القريبة ثم يكتب أحدهم في التعليقات لصديقه: عليك أن تزورها.
أتوقف أحياناً عند هذه التعليقات أكثر مما ينبغي. آلاف الإعجابات والمشاركات، وأشخاص لا يعرف بعضهم بعضاً يتبادلون النصيحة نفسها: هذا مكان يستحق الزيارة. ثم أفكر في سوريا.
ماذا لو كان أحد هذه الريلز عن تدمر؟ ماذا لو كان شخص يصور نفسه بين أعمدتها ويكتب أن موعد زيارته سيكون الصيف المقبل؟ ماذا لو كانت التعليقات تسأل عن الطريق، وأفضل وقت للذهاب، والأماكن التي تستحق أن تُرى في المدينة؟ ربما المشهد حينها سيبدو جميلاً. لكن هل كانت التعليقات ستبقى عند حدود الجمال؟ سيأتي من يسأل إن كان الطريق آمناً، ومن يذكّر بما حلّ بالموقع، ومن يضع خبراً عن الأضرار التي لحقت بمدينة كان يفترض أن تكون، ببساطة، مكاناً يذهب إليه الناس.
الفارق، في النهاية، ليس في المدرج، بل في الحياة التي يفترض أن تكون حوله. ربما هذه هي سوريا التي نراها في الريلز: سوريا التي تظهر لنا كصورة من الماضي، أو كصورة لما فعلته الحرب بالماضي، لا سوريا التي يمكن أن نقول ببساطة: فلنذهب إليها.
لطالما حلمت بزيارة تدمر. لا أذكر أني امتلكتُ سبباً محدداً لهذا الحلم، ولا أتذكر أني وضعت يوماً خطة حقيقية للسفر إليها. كنت أعرف فقط أني أريد أن أراها، أن أمشي بين أعمدتها لأرى بعيني المدينة التي عرفتها أولاً من الكتب المدرسية والصور والمجلات، لا أن تبقى بالنسبة إليّ إسماً عظيماً في بلد بعيد، رغم أنه بلدي. ففي فكرة الوقوف أمامها، شيء يتجاوز السياحة. أن ترى حجراً سبقك بآلاف السنين، فتشعر أنك تقف في مكان مرّ به بشر كثر قبلك، وأن شيئاً من تاريخهم تحول بطريقة غامضة جزءاً من تاريخك أيضاً.
كبرنا والحرب كبرت فينا، وبقيت تدمر مدينة مؤجلة حتى بدأ اسمها يتغير في رأسي.
لم تعد تدمر المدينة التي أريد أن أزورها. ارتبط اسمها بأخبار الصحف: موقع أثري يحتاج إلى حماية، آثار دمار، تقارير عن الأضرار التي أصابت معالمه، وصور جعلت المدينة التي عرفناها من الكتب تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن آخر تماماً.
غريب أن تكبر وأنت تحلم بمدينة، ثم تسمع أن العالم يحاول إنقاذها. لكن الأغرب أن جيلاً كاملاً يمكن أن يكبر وهو يعرف أن في بلده مدينة اسمها تدمر، ويعرف أهميتها، وربما يحفظ أسماء بعض معالمها من دون أن يحصل على فرصة حقيقية ليراها. لم نمشِ بين أعمدتها. لم نقف أمام معابدها. لم نلتقط تلك الصورة. لم نعد منها بحكاية صغيرة نرويها في البيت: الطريق كان طويلاً، أو المكان كان أوسع مما تخيلنا. مثل هذه الخسارة لا تظهر في صور الدمار. نحن لا نتحدث عن شيء كان لنا ثم اختفى، بل عن شيء لم نحصل على فرصة كافية ليكون لنا أصلاً.
لست أفكر في تدمر وحدها. هناك بُصرى أيضاً، ومدرجها الذي بقي قروناً واقفاً داخل مدينة تراكمت فيها طبقات التاريخ، حتى لم يعد الأثر فيها مجرد بقايا زمن سابق، بل جزءاً من حياة الأزمنة اللاحقة. أحب أن أتذكر أن فيروز غنت في مدرج بصرى العام 1985. لا لأني أريد أن أستعيد صورة من زمن أجمل، بل لأن هذه الصورة تقول شيئاً بسيطاً ننساه حين نتحدث عن التراث بلغة الحماية والترميم: المدرج كان مكاناً حياً. كان هناك جمهور يأتي إليه. كان الناس يجلسون على حجارة قديمة ليستمعوا إلى صوت جديد. كان الماضي يترك مكاناً للحاضر، من دون أن يحتاج أحد أن يشرح كيف يتعايشان.
ربما هكذا يكون التراث حياً فعلاً: عندما لا نذهب إليه باعتباره تراثاً. نذهب إليه لأن هناك حفلة، أو رحلة، أو موعداً، أو يوماً عادياً نريد أن نقضيه في مكان جميل. ثم نعود إلى بيوتنا بذكرى جديدة أضيفت إلى المكان من دون أن يشعر أحد بأنه فعل شيئاً استثنائياً.
الحرب لم تقطع الطريق إلى هذه المدن فقط، قطعت عاديّتها أيضاً. وحين تضررت بصرى، لم يكن الضرر في الحجر وحده. هناك أشياء أخرى لا تظهر في صور الأضرار ولا تدخل بسهولة في تقارير الترميم: رحلات لم تحدث، حفلات لم تُنظّم، أطفال لم يصلوا إلى المكان، وصور لم تُلتقط.
يمكن ترميم المدرج، لكن لا يمكن ترميم أمسية لم تحدث فيه. وهذا ما يجعلني أفكر في المدن السورية القديمة بطريقة مختلفة. لا أراها مدناً ماتت. الحجارة بقيت، وبعضها يمكن إنقاذه وترميمه، لكن شيئاً ما حدث في الطريق بيننا وبينها. كأن المدن، بعد كل ما مر بها، قررت أن تهجرنا.
بقيت تدمر في مكانها، لكن المسافة بينها وبين حياة السوريين اتسعت. وبقي مدرج بُصرى واقفاً، لكن الحياة التي كانت تجعله أكثر من مجموعة حجارة لا يمكن إعادتها بقرار ترميم. فإعادة بناء المكان ليست بالضرورة إعادة بناء علاقتنا به.
ربما نستطيع في يوم ما، أن نصلح قوساً، أو نثبت عموداً، أو نعيد واجهة إلى شكلها القديم. لكن مَن يعيد لطفل لم يذهب إلى هناك تلك الرحلة التي كان يمكن أن يتذكرها طوال حياته؟ من يعيد إلى عائلة صورة لم تلتقطها؟ ربما لهذا تبدو لي تلك الريلز العابرة أكثر إزعاجاً مما ينبغي. "أريد أن أزورها". جملة بسيطة جداً لكنها بالنسبة إليّ بقيت لسنوات أقرب إلى الأمنيات منها إلى خطط السفر.
ربما لم تهجرنا مدننا فعلاً. ربما نحن الذين ابتعدنا عنها طويلاً، حتى صار الرجوع إليها يبدو كأنه اكتشاف لمكان كان ينبغي أن نعرفه منذ البداية. ولعل الخسارة الأهدأ التي تركتها الحرب، ليست أنها أسقطت بعض الحجارة، بل أنها جعلت جيلاً كاملاً يعرف مدنه من الكتب والصور أكثر مما يعرفها من الطريق. وحين يأتي اليوم الذي يصبح فيه طبيعياً لطفل سوري أن يقول لأمه إنه يريد الذهاب إلى تدمر، وأن تقول عائلة إنها ستقضي عطلة في بصرى، وأن يعود المدرج إلى استقبال الناس لا إلى استقبال أخبار الترميم... عندها فقط، يمكن أن نقول إن شيئاً من هذه المدن عاد إلينا.

