بعد عامين على الحرب الإسرائيلية التي تصاعدت في أيلول/سبتمبر 2024، لم يتغير إلى حد كبير خطاب جمهور "حزب الله" تجاه الحزب. تغيرت الوجوه التي كانت تتحدث باسمه على الشاشات، واختفت وجوه قديمة خسرت قيمتها المعنوية ومصداقيتها.. لكن الخطاب المؤيد للحزب في مواقع التواصل، ورغم تأرجحه صعوداً وهبوطاً، لم يفضِ في النهاية إلى انقلاب بيئة الحزب، عليه.
التنديد بالداخل
منذ عامين، ما زال جمهور حزب الله يواجه تبعات الفقد والتهجير والدمار والضغوط الأمنية والمالية. كان الخطاب المؤيد للحزب في تلك المراحل، ينحسر أحياناً ويتخذ الطابع الإنساني، ويتصاعد في أحيان أخرى. تؤثر فيه التحولات السياسية والعسكرية، ويتأثر أيضاً بتصريحات المسؤولين. وعلى مدى عامين، تحول من خطاب مندّد بإسرائيل والولايات المتحدة، إلى التنديد بـ"شركائهما" في الداخل.
فهذا الجمهور، بدا أنه يتأثر بالحملات الإعلامية الموجهة ضده، أو تلك التي تتبنى قضاياه. كلما ازداد الخطاب المعارض له، صوّب رأيه باتجاه تأييد الحزب والتمسك به. عملياً، رغم الخسائر العسكرية والانكسار السياسي وتعثر الإعمار، بقيت شرائح واسعة منه متمسّكة بالحزب، وازداد ارتباط بعض المختلفين معه سياسياً به.
تتداخل وراء هذا التمسّك عوامل تتجاوز الولاء السياسي، دفعت بعض الأنصار إلى استعادة خطاب الصمود والانتصار، الذي يرى منتقدوه أنه منفصل عن الواقع، وسط انتقادات داخل بيئة الحزب لقراراته ونتائج الحرب.
الشماتة وأثرها
أسهم الانقسام اللبناني في تعزيز ارتباط نسبة غير مستهان بها من أبناء مجتمع حزب الله وبيئته بالحزب، بعدما تجاوزت بعض الأصوات المعارضة انتقاد سلاحه وقراراته إلى خطاب اعتبره المتضررون شماتة في مأساتهم وتحميلاً للمجتمع الشيعي بأكمله مسؤولية الحرب.
ووثّق تحقيق لشبكة "أريج"، نُشر في آب الماضي، تصاعد التحريض الطائفي ضد النازحين اللبنانيين عبر منصة "إكس".
وامتد تأثير هذه المواقف إلى شرائح من الشيعة الوسطيين وغير المؤيدين للحزب سياسياً، ممن رأوا فيها استهدافاً لمجتمعهم. وبالنسبة إلى بعض هؤلاء، بات الاقتراب من الحزب تعبيراً عن التضامن مع جماعتهم، من دون أن يعني ذلك تبنّي خياراته السياسية والعسكرية.
الانكسار بعد نصر الله
كان اغتيال الأمين العام السابق السيد حسن نصرالله، الضربة الأشد لأنصاره، بعدما شكّل طوال عقود مرجعيتهم السياسية والدينية، وحضر في تفاصيل حياتهم وخياراتهم ومواقفهم، حتى ترك غيابه فراغاً تجاوز حدود القيادة الحزبية إلى علاقتهم بالحزب ككل.
اغتيالات القيادات المركزية، وكذلك انكشاف حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي، كلها زادت المخاوف بشأن مستقبل التنظيم. وترافق ذلك مع تراجع قدرته على فرض معادلاته السابقة، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار. وأثار التزام الحزب بعدم الرد، استياءً داخل بيئته، من دون أن يتحوّل إلى حركة اعتراض واسعة على القيادة.
أي سند؟
أعادت جولة آذار 2026 جمهور الحزب إلى الحرب والنزوح، بعدما كان ينتظر العودة وإعادة بناء ما دُمّر. وأثار قرار دخول المواجهة اعتراضات حتى بين بعض المؤيدين، الذين وجدوا أنفسهم أمام خسائر إضافية.
في المقابل، منح دخول إيران المباشر في الحرب قسماً من الأنصار شعوراً بالسند، وأسهم في استعادة خطاب القوة. وتباينت المواقف بين من رأى في المواجهة استعادة لدور الحزب، ومن حمّل قراره مسؤولية تعريض المجتمع لجولة جديدة من الدمار والتهجير.
الأمن والتعويضات وأزمة المعيشة
أبقت الاغتيالات والاعتداءات الإسرائيلية واحتلال أجزاء من الجنوب، المخاوف الأمنية، حاضرة لدى الأهالي، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة الحزب على حماية جمهوره.
أما مالياً، فتفاقمت الأعباء مع خسارة المنازل ومصادر الرزق واستنزاف مدخرات النازحين في تأمين الإيجارات والاحتياجات اليومية. وزاد تعثر التعويضات وإعادة الإعمار من المعاناة، وسط غياب مؤشرات واضحة بشأن موعد حصول المتضررين على الدعم.
وينتظر الأهالي الذين تسمح الظروف الأمنية بعودتهم إلى قراهم، مساعدات لإعادة بناء منازلهم واستعادة مصادر رزقهم، بينما ما زال آخرون عاجزين عن العودة إلى بلداتهم الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وأثارت هذه الأوضاع انتقادات داخل بيئة الحزب بشأن قدرته على معالجة آثار الحرب وتلبية الاحتياجات المعيشية، من دون أن تؤدي بالضرورة إلى تراجع الارتباط به.
خطاب يتعامى عن الخسائر
تساعد هذه العوامل على تفسير استعادة خطاب الصمود والانتصار، لكنها تكشف أيضاً التناقض بين مضمونه والوقائع الميدانية والمعيشية. الاحتلال مستمر، والاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، والتعويضات والإعمار لم يلبّيا مطالب المتضررين، فيما تراجعت قدرة الحزب على فرض معادلاته السابقة.
ويرى منتقدون أن هذا الخطاب يتعامى عن حجم الخسائر، ويقدّم رواية انتصار لا تسندها الوقائع، بينما يجد فيه بعض الأنصار تعبيراً عن رفض الهزيمة والحفاظ على الانتماء، حتى مع انتقادهم قرارات القيادة.




