"زغرطي يا انشراح..أنا اتطلّقت!"

نسرين النقوزيالاثنين 2026/09/14
"انفصال" للنروجي إدفارد مونخ
"انفصال" للنروجي إدفارد مونخ
حجم الخط
مشاركة عبر

نزلت شروق من الرافعة وسط الأضواء والورود، فيما أتتها الزغاريد تأتيها من أسفل: "مبروك! مبروك!". رفعت يدها ولوّحت للحاضرين، بينما انشغلت الهواتف بتسجيل اللحظة. ومثلها مؤخراً المغنية نورهان، وفنانات ومؤثّرات وسيدات مجتمع وعاديات نعرفهن ونلتقيهن.. في الغالب النساء هن اللواتي يحتفلن، وهذا ربما ليس تفصيلاً عابراً، ويدل إلى الكثير مما كان متوماً وباتت المجاهرة به ممكنة الآن.

 

للوهلة الأولى، يبدو المشهد كأنه دخول عروس إلى حفلة زفافها: ورد، فستان، موسيقى، زغاريد، جمهور وتصوير. لكن المناسبة مختلفة تمامًا. حفلة طلاق.

هذه الحفلات تعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: ماذا كان يعني الطلاق للمرأة؟ وماذا يعني اليوم؟

 

زمان، كانت المرأة تطلّق بصمت.

تخفي الخبر، وتتحاشى الأسئلة والنظرات، وتفكر قبل كل شيء في "شو بدها الناس تقول؟". كان الزواج، حتى لو تحوّل علاقة مؤذية، شيئًا ينبغي الحفاظ عليه من أجل الأولاد والعائلة والسمعة. وكانت كلمة "مطلّقة" تحمل، في مجتمعات كثيرة، وصمة اجتماعية أقسى على المرأة من الرجل.

فصفة "مطلّقة" كانت، في أحيان كثيرة، حكمًا تحاول المرأة بوعيها أو لا وعيها، تبريره أمام نفسها والمجتمع. فتظهر هذه العقدة، عقدة الذنب، في عقليات نساء كثيرات حتى اليوم.

 

وثقت دراسات اجتماعية تجارب نساء، ربطْنَ الطلاق بالشعور بالفشل والإحراج واللوم، وبمحاولات إخفاء الانفصال أو إدارة صورته أمام الآخرين. كما أظهرت دراسات أخرى، أن الوصمة لا تنتهي لحظة وقوع الطلاق، بل قد تمتد إلى الحياة اليومية: انقسام دوائر الأصدقاء، تحميل أحد الطرفين مسؤولية الانفصال، والشعور بأن المطلّق أصبح أقل قبولًا اجتماعيًا.

 

لكن من قال إن هذا كان أفضل؟

مَن قال إن امرأة يجب أن تبقى في علاقة تؤذيها كي لا يعرف الناس أنها تريد الرحيل؟ ومن قال إن عليها أن تتألم بصمت كي يبدو الزواج ناجحًا من الخارج؟

اليوم تغيّر شيء أساس:  لم يعد استمرار الزواج فضيلة في حد ذاته.

وهذا لا يعني أن الطلاق أصبح انتصارًا دائمًا، لكن حتماً كل زواج سيء يجب أن ينتهي. الطلاق ربما يكون مؤلمًا، ومربكًا، وخسارة حقيقية. لكنه، في حالات أخرى، أو ربما مع ذلك كله، قرار بالنجاة.

 

وهناك فارق مهم يجب ألا نضيّعه:

أن ننتقد طريقة الاحتفال بالطلاق، شيء... وأن ننتقد حق المرأة في الاحتفال بخروجها من علاقة مؤذية أو ما عادت مُرضِية، شيء آخر تمامًا.

لعل الحفلة تبدو لنا سخيفة، استعراضية، تجارية، ومصممة بالكامل للسوشيال ميديا. يمكن أن نسخر من التذاكر والـVIP والرافعة والورود، ونسأل لماذا يحتاج الطلاق إلى كل هذا الديكور.

هذا كله قابل للنقاش.

لكن تفاهة طريقة الاحتفال، إن وجدناها كذلك، لا تجعل سبب الاحتفال تافهًا. الطلاق نفسه قد يكون أهم قرار اتخذته امرأة في حياتها. فلماذا لا تحتفل به؟

 

وهنا علينا أن نفصل بين الطلاق بوصفه تجربة إنسانية، والطلاق بوصفه محتوى.

الأول قد يكون مؤلمًا أو مُحرّرًا، أو الإثنين معًا.أما الثاني فقد أصبح جزءاً من تريند المشاهدات.

في زمن السوشال ميديا، يجب أن نصوّر النهايات. لم يعد كافياً أن تستعيد المرأة حياتها، يجب أن يراها الآخرون وهي تستعيدها. حتى الانفصال، بات مثل الزواج والحَمْل والسفر والموت والنجاح، قابلًا للتحويل إلى محتوى.

 

يمكن انتقاد حفلات الطلاق التي نسمع عنها ونرى صورها، من دون أن نعيد المرأة إلى القفص القديم. هل من حق امرأة أن تكون سعيدة، بدلاً من الخزي والمعايرة، لأنها خرجت من علاقة لم تعد تريدها؟ نعم. حتى لو لم نفهم طريقتها في التعبير عن هذه الفرحة.

 

هناك شيء آخر علينا ألا ننساه ونحن نضحك على حفلات الطلاق: النساء لا يخرجن جميعًا من الزواج للأسباب نفسها. هناك من تطلّق لأنها لم تعد تحب. وهناك من تطلّق لأنها لم تعد تحتمل. وهناك من تطلّق بعد سنوات من الخيانة. وأخرى بعد سنوات من الإهانة. وأخرى بعد العنف. وأخرى لأنها اكتشفت أن استمرار الزواج أكثر إيذاءً لها ولأطفالها من نهايته. لهذا، فإن تحويل كل حالات الطلاق إلى قصة واحدة عن "فشل الزواج"، ظُلم. 

 

فلنتوقف عن طرح السؤال القديم: "مين ترك مين؟"

ونبدأ بسؤال آخر: "هل كان يجب أن يبقيا معًا؟ هل كان بقاؤهما أفضل؟ لمَن؟ ولماذا؟".

 

مبروك، كلمة مُستحَقّة في الطلاق، كما في الزواج. مبروك لكل إنسان عرف كيف يقول لا في وجه الأذية والعنف، أو حتى في وجه التعاسة أو انتفاء محفزات الرضى والاكتفاء. مبروك، سواء زغرد  له الناس، ورموه بالورود أو الأحجار. فهو/هي الرابح/ة الأكبر. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث