لم يعد الفستان الأبيض وباقات الورود والموسيقى والحلوى والتقاط الصور، تفاصيل يقتصر حضورها على حفلات الزفاف فقط، بل بدأت تظهر المشاهد نفسها في حفلات مخصصة للاحتفال بالطلاق، وهي فكرة تثير جدلاً في مواقع التواصل، مع انتشار مقاطع فيديو لنساء ومؤثرات يحتفلن بالانفصال وسط الصديقات والأقارب مع عبارات مثل "مطلقة حديثاً" أو "بداية جديدة".
وساهمت مواقع التواصل طبعاً في الترويج للفكرة، ربما لأن المجتمع لا يملك طقوساً اجتماعية واضحة للاحتفال بانتهاء الزواج، ولذلك تبدو حفلة الطلاق وكأنها محاولة لصناعة طقس جديد، يستعير أدوات طقس الزواج ويمنحه معنى معاكساً.
وتعد مصر من بين الدول العربية التي ظهر فيها هذا النوع من الاحتفال. ففي العام 2018، أثارت سيدة تدعى دينا عبد الله سليمان اهتماماً واسعاً بعدما أقامت حفلة لطلاقها بحضور الأهل والأصدقاء، بعد زواج لم يستمر سوى 40 يوماً، فيما استغرقت إجراءات القضية نحو عامين كاملين. واجتمع الجميع أمام قالب حلوى كتب عليه "حفلة طلاق"، وأشارت صاحبة العيد أنها أقامت الحفلة لأنها تخلصت من المأساة والمعاناة التي عاشتها خلال فترة زواجها.
وفي السعودية، أثارت الإعلامية خديجة الوعل اهتماماً في شباط/فبراير 2016 بعد انتشار مقطع من مناسبة ظهرت فيها وهي ترتدي تاجاً، برفقة الممثلتين نصرة الحربي ومريم حسين، وقالت مريم حسين في الفيديو إنهن في "حفلة طلاق خديجة الوعل"، وأضافت: "عاش الطلاق"، مما أدى إلى انتشار المقطع على نطاق واسع وإطلاق وسم خاص بالمناسبة، لكن الوعل ما لبثت أن نفت أن تكون المناسبة حفلة طلاق بل هي مرتبطة ببداية مرحلة جديدة في حياتها.
وتبدو الجزائر من أكثر الدول العربية توثيقاً لحفلات الطلاق، حتى أن بعض المناسبات أقيمت في فنادق، مع بطاقات دعوة وقاعات مخصصة للاحتفال، وأشارت إحدى وكالات تنظيم المناسبات أنها تلقت 15 طلباً لتنظيم حفلات طلاق خلال عام واحد..
كما شهدت تونس عدة حالات مماثلة، من بينها حفلة أقامته سيدة تونسية العام 2017، ثم عمدت إلى نشر صور وهي تحمل قالب حلوى كتب عليه عبارة "حفلة طلاق".. فيما عرف المغرب حالات لافتة، أبرزها العام 2025، عندما أثارت المغنية وصانعة المحتوى "ديدجي مها" اهتماماً بنشرها فيديوهات من حفلة طلاق أقامتها على متن يخت فاخر، وسط أجواء احتفالية بحضور صديقاتها.
المغنية نورهان
وفي لبنان، كانت الفنانة نورهان في طليعة المشاهير الذين احتفلوا بالطلاق العام 2018 بعد انفصالها عن زوجها ومدير أعمالها السابق عدنان ديراني، في أحد أماكن السهر ببيروت وسط حضور لافت للأصدقاء، وظهرت نورهان وهي ترقص الدبكة فرحاً وتقطع قالب حلوى كتب عليه "إتطلقت"، بينما رفع أصدقاؤها عبارات طريفة مثل "مش من مستواي" و"بلا هم وبلا غم".
وأوضحت نورهان في حديث لـ"المدن" أنها ليست هي من بادر إلى إقامة الحفلة، بل أن أصدقاءها فاجأوها بها. وأكملت بأنها كانت سعيدة جداً في الحفلة، لكن فرحتها لا توازي السعادة التي عاشتها عند الاحتفال بزواجها، وأضافت: "طلاقي كان سببه الاختلاف في وجهات النظر. لم يكن زوجي السابق يعنفني أو يسيء معاملتي. وكان الاحتفال بطلاقي إعلان للبدء صفحة جديدة في حياتي، حتى أنه تحول إلى ترند في مواقع التواصل الإجتماعي".
وأشارت نورهان إلى أن الاحتفال بالطلاق أمر عادي بشرط أن يكون عفوياً وغير مخطط له، كما يفعل بعض المؤثرين الذين حولوا حفلات طلاقهم إلى "بزنس"، ولذلك لم يتقبل الناس حفلات طلاقهم وتعاملوا معها وكأنها فضيحة، حسب تعبيرها.
تبدلات إجتماعية واسعة
إلى ذلك، رأت الباحثة في علم الاجتماع د. رجاء مكي، أن ظاهرة الاحتفال بالطلاق ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات سابقة، لكن حضورها عاد إلى الواجهة في الفترة الأخيرة بالتزامن مع تبدلات اجتماعية واسعة.
وأوضحت مكي: "الزواج، وفق التصور التقليدي، لم يكن علاقة بين شخصين فقط، بل مؤسسة ترتبط بالأسرة والمجتمع والأبناء، وتحظى بمكانة خاصة في مختلف الأديان والمجتمعات التقليدية. لذلك كان الطلاق يحمل في الوعي الجماعي معنى تفكك البيت، وتهديداً للصورة المستقرة للعائلة، إضافة إلى ارتباطه بمفهوم العيب الذي جعل الانفصال لفترة طويلة حدثاً يفضل كثيرون إخفاءه، لكن تلك المنظومة بدأت تتغير تدريجياً، ومفهوم الطلاق نفسه لم يعد وصمة اجتماعية، كما تغيرت طريقة النظر إلى المرأة المطلقة وإلى قدرتها على اتخاذ قرار الانفصال وإعادة بناء حياتها".
وأكدت مكي أن أحد أبرز التحولات التي تقف خلف هذه الظاهرة يرتبط بتغير موقع المرأة داخل الأسرة والمجتمع: "التعليم والعمل والاستقلال المادي واتساع هامش الاختيار، عوامل ساهمت في إعادة تعريف الأدوار التقليدية بين الزوجين، ولم تعد المرأة مضطرة بالضرورة إلى البقاء في علاقة زوجية لمجرد المحافظة على صورة اجتماعية أو الاستجابة لضغوط العائلة. في المقابل، تراجع تدريجياً التصور التقليدي للرجل باعتباره الحامي الوحيد ورب الأسرة وصاحب القرار النهائي داخل المنزل"، معتبرة أن هذا التحول لم يمر من دون انعكاسات على العلاقة الزوجية نفسها، لأن انتقال الزوجان من نموذج يقوم على الأدوار المحددة مسبقاً إلى نموذج أكثر مساواة، يجعل العلاقة أمام تفاوض دائم على السلطة والمسؤوليات والتوقعات، ما قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة إذا لم تواكبها مفاهيم مختلفة للشراكة.
فجوة بين الصورة المخيلة والواقع
وحسب مكي، "لا ينفصل التحول في مفهوم الزواج عن التحول في مفهوم الحب"، لأن "العلاقة التي كانت تبنى تقليدياً على الاستمرار وتحمل الظروف والاحتفاظ بالأسرة، باتت تواجه توقعات أكثر تعقيداً، وأصبح الشريك مطالباً بأن يكون زوجاً وصديقاً وشريكاً عاطفياً وفكرياً، وأن يشارك الطرف الآخر اهتماماته وطموحاته وتصوراته عن الحياة. ومع ارتفاع سقف التوقعات، تصبح الفجوة بين الصورة المتخيلة للعلاقة وبين الواقع اليومي مصدراً إضافياً للتوتر".
وأشارت مكي إلى تدخل مواقع التواصل الاجتماعي على خط هذه التحولات بقوة، لأن العلاقات الزوجية لم تعد معزولة عن صور الحياة التي تعرضها المنصات يومياً، من أنماط العلاقات إلى صور النجاح الشخصي والرفاهية والسعادة العاطفية. وهذه المساحات تتيح للأفراد أن يتعرفوا إلى نماذج مختلفة من العلاقات، وأن يعيدوا النظر في توقعاتهم من الشريك والحياة الزوجية.
وأكملت مكي بأن المشكلة تبدأ عندما تتحول الصور المعروضة على الشاشة إلى معيار يقاس عليه الواقع. وهنا يمكن أن تصبح المقارنة مصدراً للإحباط، حين تصطدم الصورة المثالية للشريك أو الزواج بالتفاصيل اليومية للعلاقة، بما فيها الخلافات والمسؤوليات والضغوط الاقتصادية والعائلية، وكلما اتسعت المسافة بين الحلم والواقع، أصبح الإحباط أكثر حضوراً، كذلك تشير إلى أن "تأثير المنصات لا يقتصر على العلاقات نفسها، بل يمتد إلى طريقة التعامل مع الطلاق، لأن مواقع التواصل أنتجت أشكالاً جديدة من الإعلان عن الانفصال، بعضها يحول الحدث الخاص إلى مناسبة عامة، ويمنحه طابعاً احتفالياً لم يكن مألوفاً في السابق".
ولعل السؤال الأكثر أهمية هنا و "لماذا تنحصر احتفالات الطلاق بين بين النساء وليس الرجال؟"، ورأت مكي أن "الأمر يرتبط بتاريخ طويل من القيود الاجتماعية التي جعلت المرأة الطرف الأكثر تعرضاً للضغط داخل مؤسسة الزواج، ولذلك يمكن أن تتحول لحظة الانفصال، بالنسبة إلى بعض النساء، من إعلان عن نهاية علاقة إلى إعلان عن استعادة القدرة على الاختيار. فالمرأة التي كان يطلب منها أن تتحمل في السراء والضراء، وأن تحافظ على الزواج مهما كانت الظروف، أصبحت أكثر قدرة على رفض هذه القاعدة عندما تشعر بأنها لم تعد مناسبة لحياتها. ومع تغير مفهوم المرأة الصالحة في الوعي الاجتماعي، تغيرت أيضاً طريقة تعامل المرأة مع الطلاق، ومن هنا يمكن قراءة احتفالات الطلاق بوصفها، في بعض الحالات، محاولة لإعلان القوة بعد فترة شعور بالقيود، وليس مجرد احتفال بانتهاء علاقة".
لحظة تحرّر حقيقية
ورأت مكي أن الاحتفال بالطلاق لا يحمل معنى واحداً بالضرورة، لأنه ربما يكون بالنسبة إلى امرأة ما لحظة تحرر حقيقية، بينما يتحول بالنسبة إلى أخرى إلى وسيلة لإعلان الانتصار على الطرف الآخر أو لاستعادة صورتها أمام المجتمع. وتبدو المسألة أكثر تعقيداً عندما تدخل النرجسية والاستعراض الرقمي على الخط. فالمنصات تشجع بطبيعتها على تحويل التجارب الشخصية إلى محتوى قابل للمشاركة والتفاعل، ما يجعل الحد الفاصل بين التعبير عن الذات والرغبة في لفت الانتباه أكثر ضبابية.
وقالت مكي: "نحن أمام إعادة تفاوض على مفهوم الأسرة نفسه، وعلى طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة داخلها. الزوجان المعاصران يلتقيان بين منظومتين: منظومة تقليدية مازالت حاضرة بقوة في المجتمع، ومنظومة جديدة تقوم على الاستقلال الفردي والاختيار والمساواة والبحث عن الإشباع العاطفي. وبين هاتين المنظومتين تظهر مساحة واسعة من التناقض، ولذلك ربما يكون جزء من أزمة العلاقات الزوجية الحديثة ناتجاً عن أن المجتمع غير كثيراً من شروط الزواج، لكنه لم ينجح بعد في بناء تصور متكامل للعلاقة الجديدة. ولذلك يجد كثير من الأزواج أنفسهم أمام أدوار لم تعد واضحة، وتوقعات مرتفعة، ومفاهيم قديمة لم تختف تماماً".




