فقر ورفاهية في شاشة واحدة: يوميات لبنانية...وحسرة سامّة

سامر الحلبيالجمعة 2026/09/11
GettyImages-1222123494.jpg
المطعم والرحلة والسيارة...تفاصيل يومية لشخص، ومقياس الحرمان وقيمة الذات لآخرين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مطعم فاخر، سيارة جديدة، حقيبة تحمل اسماً عالمياً، رحلة إلى الخارج أو خزانة مليئة بالملابس. هي مشاهد تتكرر يومياً في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت تفاصيل الحياة، بما فيها أنماط الإنفاق والاستهلاك، مادة متاحة للتصوير والمشاركة أمام جمهور واسع. وبينما ينشر البعض تلك الصور بوصفها جزءاً من حياتهم اليومية، يشاهدها آخرون في ظروف مختلفة تماماً، خصوصاً في لبنان، حيث يعاني كثيرون من ضغوط اقتصادية وصعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية.

 

ولم تصنع مواقع التواصل، الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، لكنها أتاحت مساحة تظهر فيها أنماط حياة ومستويات إنفاق مختلفة بصورة متكررة ومباشرة. فالصورة التي ينشرها شخص من مطعم أو رحلة أو مكان فاخر، ربما تصل في اللحظة نفسها إلى شخص يحاول احتساب ما تبقى من راتبه حتى نهاية الشهر.

 

وتطرح تلك المشاهد أسئلة حول تأثير هذا النوع من المحتوى في مستخدمي مواقع التواصل: متى تكون مشاركة تفاصيل الحياة مجرد توثيق ليوميات أصحابها؟ ومتى تتحول إلى استعراض للمكانة الاجتماعية والمادية؟ وكيف يتلقى هذه الصور مَن يعيش ضائقة مالية ويجد نفسه أمام مقارنة يومية بحياة الآخرين؟

 

يقول هاني، وهو شاب في أواخر العشرينيات يعمل براتب محدود: "أفتح أنستغرام أحياناً فأشعر أن الجميع يعيش أفضل مني. هذا في مطعم، وذاك في تركيا، وآخر اشترى سيارة جديدة. أعرف أن الناس لا تنشر مشاكلها، لكنك عندما ترى هذه الصور كل يوم، تبدأ من دون أن تشعر بمقارنة حياتك بحياتهم. أحياناً أخرج مع أصدقائي وأختار مطعماً لا يناسب ميزانيتي، فقط لأني لا أريد أن أكون الشخص الوحيد الذي يقول أنه لا يستطيع دفع الفاتورة".

 

وتروي هنادي، وهي أمّ لطفلين: "ابني يرى صور زملائه على الشاطئ أو في مطاعم ورحلات، ثم يسألني: لماذا لا نذهب مثلهم؟ ماذا أقول له؟ لا أستطيع أن أشرح لطفل أن راتب والده بالكاد يكفي النفقات الحياتية. والمشكلة أن الطفل لا يرى الراتب ولا الأعباء، هو يرى الصورة فقط، يرى طفلاً مثله يعيش شيئاً لا يستطيع هو أن يعيشه".

 

من جهته، يقول عمر، وهو رجل ميسور الحال: "أسافر وأذهب إلى المطاعم وألتقط الصور، وهذا جزء من حياتي. لا أفكر أني أستفز أحداً عندما أنشر الصور ولا أقصد ذلك على الإطلاق. بالنسبة إلي، مواقع التواصل مساحة شخصية، وكل شخص يقرر ما ينشر".

 

تعلّق المعالجة النفسية والاختصاصية الاجتماعية، غنوى يونس، في حديث لـ"المدن": "أعطتنا مواقع التواصل مساحة جديدة نعرض فيها جزءاً من حياتنا بطريقة أوضح وأسهل، لأنها في متناول الجميع. لكن ينبغي أن ننتبه إلى أن الشخص يعرض ما يريد عرضه في مواقع التواصل، أي ليس بالضرورة أن تكون هذه هي الحقيقة الكاملة، إنما الجزء الذي ينوي الشخص عرضه والإضاءة عليه، خصوصاً أنها حالة خاصة أو موقف محدد، وليست بالضرورة الحقيقة المطلقة. ينبغي الانتباه إلى أن مواقع التواصل لا تعرض الواقع كما هو، بل نسخة منتقاة منه. نحن لا نرى حياة الشخص كاملة، بل الجزء الذي اختار عرضه، ولذلك تظهر الفوارق الاجتماعية بشكل أوضح ومضخّم".

 

وعندما ينشر شخص باستمرار صور المطاعم الفاخرة والسفر والملابس، فهل يكون ذلك مجرد مشاركة للحياة؟ أم نوعاً من الاستعراض؟ ترى يونس أنه من الممكن أن يكون الاثنين معاً، ولا يمكن الحكم من الصورة وحدها، لأن هناك أشخاصاً يحبون توثيق حياتهم ومشاركة هذه الأمور من دون نية جرح الآخرين. لكن، عندما يصبح النشر مرتبطاً بشكل أساسي بالحاجة إلى إظهار المستوى المادي أو الحصول على إعجاب وتقدير الآخرين، فربما يتحول من مجرد مشاركة إلى استعراض اجتماعي.

 

تضيف يونس: "السؤال الأعمق هو: ماذا تمثل الصورة بالنسبة إليك؟ هل هي ذكرى جميلة أم تعبير عن شيء تحبه؟ أم طريقة للاستعراض على طريقة: أنظروا أين أنا؟ غالباً ما نرى أشخاصاً سعداء، وبعد أيام قليلة نسمع عن حالات انتحار أو انفصال أو اكتئاب، وهذا أكبر دليل على أن الاستعراض هو المحرك الأساس في كثير من الحالات".

 

وتتابع يونس: "أحياناً يستخدم الإنسان الأشياء المادية ليبني إحساساً بقيمته أو مكانته. وعندما يكون تقدير الشخص لنفسه مرتبطاً بشكل كبير بنظرة الآخرين، ربما يصبح الإنجاز المادي وسيلة للحصول على الاعتراف الخارجي، أي البحث عن القيمة أو السلطة أو المكانة الخارجية ليشعر بقيمته الذاتية. وأحياناً يرتبط الموضوع بالمقارنة الاجتماعية، فالإنسان بطبيعته الفطرية يقارن نفسه بالآخرين، خصوصاً الأشخاص الذين يعتبرهم قريبين منه أو يشبهونه".

 

وعن تأثير مشاهدة حياة الآخرين المترفة يومياً في شخص يعاني أصلاً ضائقة مالية، تعتبر يونس أن "الخطورة تكمن هنا، خصوصاً إذا كان الشخص يعيش تحت ضغط مالي. فعندما يرى صوراً لأشخاص يسافرون ويعيشون بطريقة مميزة، فيما هو غير قادر على مجاراتهم، يبدأ بمقارنة حياته بحياة الآخرين، وهذا يولد شعوراً بالنقص والحرمان والإحباط، أو حتى الفشل الشخصي. وفي علم النفس، المقارنة الاجتماعية في حد ذاتها ليست سلبية على الدوام، وأحياناً ربما تكون حافزاً للإنسان. لكن عندما تكون المقارنة مستمرة، خصوصاً لدى شخص يشعر أصلاً بالعجز أو الحرمان، تصبح مصدر ضغط نفسي حقيقي. ويصبح التأثير أقوى عندما يربط الشخص بين القدرة على استهلاك أشياء معينة، وبين قيمة الإنسان أو مكانته او حتى سعادته. أي بمعنى أصح: هو قادر على العيش وأنا غير قادر. إذاً أنا أقل منه...وأتعس".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث