دمشق: قذائف النظام تحفاً فنية وحياة جديدة

المدن - ميدياالأربعاء 2026/09/09
أحمد بقبوق: "أحول القطعة من ألم إلى أمل، ومن موت إلى حياة" (سانا)
أحمد بقبوق: "أحول القطعة من ألم إلى أمل، ومن موت إلى حياة" (سانا)
حجم الخط
مشاركة عبر

انحنى أحمد بقبوق فوق أسطوانة معدنية طويلة في زاوية محل مزدحم بالنحاسيات والسيوف المزخرفة والصناديق المطعمة والفوانيس الشرقية، في العاصمة دمشق، ممسكاً مطرقته الصغيرة ليطرق بخفة على سطح المعدن، ثم توقف ليتفحص خطاً بدأ يتشكل ببطء. وقبل أن تصل القطعة إلى يديه، لم تكن عملاً فنياً، ولم تصنع أصلاً لتعرض في واجهة متجر بل كانت من مخلفات الحرب التي قصف النظام البائد بها الشعب السوري لمدة أربعة عشر عاماً.

 

وحول أحمد، ارتفعت على الأرض قذائف فارغة متفاوتة الأحجام، بعضها مازال يحتفظ بخشونة المعدن وآثار عمره السابق، بينما تغيرت ملامح أخرى تماماً تحت ضربات المطرقة وأدوات النقش، على إحداها زخارف نباتية، وعلى أخرى كتابات وآيات قرآنية، وفي مكان قريب تقف قذيفة قديمة تحولت إلى فانوس، حسبما نقلت وكالة أنباء "سانا" الرسمية.

وتحاول عائلة بقبوق في محلها للشرقيات في باب الجابية بدمشق القديمة، ‏أن تمنح لأشياء ارتبطت بالموت والدمار حياة جديدة عبر تحويلها إلى قطع فنية تحفظ ذاكرة ما جرى، من دون أن تبقى على صورتها الأولى.

 

وقال باسل بقبوق صاحب المحل مع شقيقه: "نريد الهروب من الحرب بتحويلها إلى قطع فنية، من دون أن نمحوها"، علماً أن قصة عائلة بقبوق الدمشقية لم تبدأ مع مخلفات الحرب، فمهنة النقش على النحاس وصناعة الشرقيات انتقلت إلى الإخوة عن آبائهم، وكان للعائلة محل في سوق الحميدية قبل أن يؤدي تقسيم الإرث إلى انتقالهم العام 1981 إلى باب الجابية، حيث واصلوا العمل في الحرفة نفسها.

وقال الإخوة أن عملهم الأساسي هو النقش على دلال القهوة والمصبات والنحاسيات التقليدية، مستخدمين الزخارف الإسلامية والنباتية ورسوم الحيوانات والأشجار والياسمين، إلى جانب الآيات القرآنية. لكن إلى جانب تلك القطع التقليدية، بدأت تظهر داخل المحل في السنوات الأخيرة مواد لم تكن جزءاً معتاداً من مهنة النقاشين: قذائف فارغة وطلقات مدافع صغيرة مختلفة العيارات خرجت من ساحات الحرب في المناطق التي كان السوريون يتعرضون فيها لقصف شبه يومي من قبل قوات النظام البائد.

 

وقال باسل أن فكرة تحويل هذه المواد ليست جديدة تماماً بالنسبة إلى العائلة ففي منزل جدهم بقيت لعقود قذيفة تعود إلى الحرب العالمية الثانية، منقوشة ومطعمة بالفضة، وصفها بأنها من أجمل القطع التي تمتلكها العائلة، ليس فقط لعمرها، وإنما لما تحتويه من عمل يدوي ثمين ودقيق.  لاحقاً، أضاف الإخوة إلى القذيفة فانوساً في محاولة لتغيير ملامحها الأصلية.

 

وأوضح باسل: "كانت في بيت جدي، وكانت منقوشة بشكل جميل ومطعمة بالفضة. وجدنا لها الفانوس حتى نغير معالم أداة القتل، عندما وضعناه عليها تغير شكلها". واليوم تقف القطعة في المحل كفانوس زخرفي، فيما يكاد أصلها العسكري يختفي خلف النقوش والفتحات الدقيقة التي يمر عبرها الضوء.

 

وأمسك باسل عكازة طويلة ذات لون ذهبي تبدو للوهلة الأولى كقطعة مصنوعة للزينة، إلا أن قصتها بدأت في ظروف مختلفة تماماً، حيث صنعت من فوارغ طلقات رشاش من عيار 500. وأوضح أن أحد ثوار الغوطة الشرقية بريف دمشق صنعها عندما كان مصاباً وخلال فترة حصار النظام البائد لها، مستخدماً ما توفر لديه ليصنع شيئاً يتكئ عليه.

 

وبالنسبة إلى أحمد بقبوق، الذي يتولى مهمة نقش القطع الحربية وإعادة تشكيلها، كانت العكازة المصنوعة من فوارغ الرصاص نقطة الانطلاق الحقيقية للمشروع، وقال أن وصولها إلى المحل دفعه إلى التفكير في إمكانية تحويل مخلفات الحرب إلى قطع تحفظ الذاكرة وتروي ما عاشه السوريون. وأضاف أن لكل سوري تقريباً ذاكرة مرتبطة بما حدث، معتقل أو شهيد أو إصابة أو تهجير، ولهذا رأى أن الاحتفاظ بهذه المواد بعد تحويلها إلى أعمال فنية يمكن أن يكون وسيلة لنقل تلك الذاكرة إلى أجيال لم تعش الحرب. 

 

وخلال سنوات الثورة لم تكن العائلة تجرؤ على عرض مثل هذه القطع أو العمل عليها، أما بعد التحرير فتغير الأمر. وبدأت العائلة أولاً بمشاهدة بعض المخلفات مصادفة لدى باعة الخردة، ثم، بعدما عرف الناس أنهم ينقشون هذه المواد ويحولونها إلى قطع للزينة، بات البعض يعرضها عليهم أو يسلمهم إياها للعمل عليها.

 

وأوضح باسل أن أكثر ما كان يخشاه باسل أن تنتهي هذه القطع في أفران الصهر وتفقد قيمتها كشاهد على مرحلة قاسية، وقال: "كنا نشعر بالحزن عندما تذهب هذه القطع إلى الذوبان، لأن ذكراها تختفي معها، فإذا أذبناها انتهت واندثرت، وقد لا نرى مثلها مرة أخرى". 

 

ولا يعرف الإخوة دائماً القصة الكاملة وراء كل قذيفة تصل إليهم، لكنهم يدركون أنها ربما تحمل أثراً من المأساة. وقال باسل: "ربما تكون إحدى هذه القذائف قتلت عائلة، أو هدمت منزلاً، أو تسببت في سقوط شهداء". لذلك يفضلون الحفاظ عليها بعد إعادة تشكيلها ونقشها، لا كما وصلت إليهم من ساحات القتال، بل كقطع فنية تحفظ أثرها وتبقي ذاكرتها للأجيال القادمة، فالمقصود، ليس تجميل الحرب، وإنما تحويل بقاياها إلى شهادة لا تمحى.

 

وبالنسبة إلى أحمد بقبوق، تبدأ رحلة تحويل القطعة قبل أن تلامسها أداة النقش الأولى، فعندما يمسك إحدى القذائف أو الذخائر، لا يراها في البداية كسطح معدني يمكن تزيينه، بل يستحضر تاريخها وما تحمله من ألم، وقال: "عندما أمسكها للمرة الأولى أراها قطعة موت، وقطعة دمار، وقطعة ألم". ويبدأ العمل بإعادة تقويم القطعة إذا كانت متضررة، ثم تنظيفها وتلميعها، قبل رسم التصميم الذي سينفذ عليها والبدء بمرحلة النقش اليدوي، وربما تستغرق القطعة الواحدة نحو عشرين يوماً حتى تكتمل.

 

لكن التحول، بالنسبة إلى أحمد، لا يقتصر على المعدن وحده، بل تتغير نظرته إلى القطعة مع ظهور تفاصيلها الجمالية تدريجياً، وأضاف: "عندما تبدأ الملامح الجمالية بالظهور، تتغير ملامح وجهي وأشعر براحة نفسية، لأنني أرى أنني أحول القطعة من ألم إلى أمل، ومن موت إلى حياة". ورأى أن الوقت الطويل الذي يكرسه لكل قطعة جزء من الرسالة التي يسعى إلى إيصالها، وهي التعبير عن معاناة السوريين، وفي الوقت نفسه عن قدرتهم على الصمود والإبداع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث