استعداداً لبدء العام الدراسي الجديد، تحولت باحة "مدرسة النصر" غربي مدينة غزة إلى مساحة تجمع بين تعليم التلاميذ وإيواء النازحين. ونصبت في المدرسة 6 خيام لتكون فصولاً دراسية مؤقتة، فيما تشغل عائلات نازحة أجزاء من المبنى المدرسي الذي تضرر جراء القصف الإسرائيلي.
وتتقاسم مساحة المدرسة المدمرة جزئياً عائلات نازحة دمرت منازلها خلال الحرب، وتلاميذ يتوقون للانتظام في مقاعد الدراسة، حيث اختلطت حقائب الأطفال مع أمتعة أسر لم تجد مكاناً آخر تلجأ إليه. ويلخص المشهد حال التعليم في قطاع غزة بعد نحو 3 أعوام من الحرب التي بدأت بهجوم حركة "حماس" على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأدت لتدمير المدارس وتحولها إلى مراكز إيواء، فيما دفع مئات آلاف الأطفال إلى نقاط دراسية مؤقتة أو خارج التعليم تماماً، حسبما نقلت وكالة "الأناضول" التركية.
وتعد مهمة إعادة التعليم إلى غزة أكبر من مجرد فتح أبواب المدارس فهي معركة لاستعادة جيل كامل وما فقده من سنوات التعلم، وإعادة بناء منظومة تعليمية فقدت مبانيها وتجهيزاتها وكوادرها. ينطلق العام الدراسي في غزة بحسب وزارة التربية والتعليم في 16 أيلول/سبتمبر الجاري، لكن العديد من النقاط التعليمية والمدارس الخاصة بدأت الدراسة فعلياً، اعتباراً من نهاية الأسبوع الماضي بعدما استكملت ترتيباتها.
وتزامنت الاستعدادات مع "اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات"، الذي تحييه الأمم المتحدة في 9 أيلول/سبتمبر من كل عام، لزيادة الوعي بالحاجة الملحة إلى الحفاظ على التعليم وحمايته من الهجمات. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن استمرار استخدام مباني المدارس مراكز إيواء جماعية، إلى جانب محدودية المساحات الآمنة وتقطع دخول المستلزمات التعليمية، مازال يعرقل الوصول إلى التعليم وجودته في غزة.
وبحسب معطيات رسمية فإن 95% من مدارس القطاع لحقت بها أضرار نتيجة القصف الإسرائيلي. ووسط هذه الظروف، استقبل إسماعيل أسعد رضوان (10 سنوات) عاماً دراسياً مثقلاً بفقدان والده في قصف إسرائيلي العام 2025، وبانقطاع عن التعليم وبنزوح أكثر من 5 مرات.
وقال الطفل: "قضينا نحو 3 سنوات من الحرب في النزوح والقصف والتشريد، وكلما اعتقدنا أن الحال استقر بنا وبدأنا نعود للدراسة، كانت أوامر النزوح الإسرائيلية تباغتنا وننقطع مجدداً عن الدراسة". وأوضح أن الخيام لا توفر لهم حماية من الحر ولا البرد، بل تغرق أحياناً بمياه الأمطار، ما يوقف الدراسة بالكامل.
وأشار رضوان إلى أن الحرب تسببت بتقليص أيام الدراسة الأسبوعية إلى 3 أيام فقط، ولمدة ساعتين أو 3 يومياً، جراء الاكتظاظ ووجود نازحين داخل الأماكن التعليمية، مضيفاً أن الانقطاع الطويل تسبب في "حالة من التجهيل"، لا سيما بين الأطفال الصغار الذين لم يحصلوا على تأسيس تعليمي كاف في سنواتهم الأولى. وطالب بتحسين ظروف التعليم عبر توفير خيام أفضل أو تأهيل صفوف ومبان تليق بالطلاب، معرباً عن تحمسه لعودة الدراسة لأن حلمه لم يتغير. وقال: "أطمح لأن أصبح طبيباً في المستقبل، حتى أداوي جراح أبناء شعبي".
ووسط خيمة اتخذت غرفة لإدارة المدرسة، استقبلت المديرة صبا عودة عدداً من الطلاب وأولياء الأمور قبيل بدء الدراسة. وقالت أن المدرسة التي تستقبل طلبة من المرحلة التمهيدية حتى الصف الخامس الأساسي، تعرضت لقصف إسرائيلي في 8 آب/أغسطس 2024 أدى إلى تدمير جزئي فيها. ومع تضرر المبنى وامتلائه بالنازحين، اضطرت الإدارة إلى نصب 6 خيام في الساحة وتحويلها إلى فصول مؤقتة، مؤكدة أن وجود النازحين يؤثر سلباً في العملية التعليمية.
وأضافت عودة أن المدرسة استأنفت التعليم جزئياً العام الماضي بجهود وزارة التربية والتعليم والمجتمع المحلي، لكنها بلغت طاقتها الاستيعابية القصوى، وبقي عدد من الطلبة على لوائح الانتظار بسبب الاكتظاظ. واشارت عودة إلى أن الخيام التعليمية، رغم أنها "تسد جزءاً من الحاجة"، لا يمكن مقارنتها بالفصول الدراسية، بسبب افتقارها إلى الظروف الإنسانية الملائمة للتعلم.
وقالت عودة: "لا تستوعب الخيمة العدد الكافي من الطلبة، ولا توفر العزل المناسب لهم لتلقي تعليمهم بشكل أفضل. باتت الخيمة أشبه بالدفيئة الزراعية، لا إضاءة ملائمة ولا تهوية جيدة"، مضيفة أن الحرب أعادت التعليم في غزة سنوات إلى الوراء، بعدما قطعت المدارس شوطاً في استخدام الوسائل الحديثة، مثل السبورات التفاعلية والأجهزة اللوحية وشاشات العرض.




