إسمي رنا، أنا ابنة بيروت عن جدّات وجدود. والنون، عين إسمي الصغير، تعرف كيف تقرأ مشهدياتها المتغيرة. لعله إحساس كان غافلًا في داخلي، واستفاق مع تفجيرها ذو العصف الوردي، منذ ست سنوات سوداء. هكذا، تنبهت كم أعرف مدينتي-القرية، على مر تحولاتها: من أبنيتها الأعتق إلى الأحدث، من رائحة أشجار الصنوبر والكينا الباقية هيفاء في حرجها الصغير وزواريبها، كما من بانوراما البوغانفيليا عبر تريو ألوانها وبعض الفتنة والدفلى المنتشرة بخجل يتنامى في أرجائها. لكن أكثر من أي شيء، أعرفها من تلك الجروح التي تحولت، مع الوقت، ندوباً فوق جلودها المتغيرة.
دخلتُ مرة أحد بيوتها القديمة كزائرة عابرة. ثم، بمشيئة من القدر، صار قضاء الوقت فيه جزءًا من يومياتي. هنا أجالس نفسي، أذهب بالتأمل من العام إلى الخاص، وأحاول أن أفهم ما تركته السنوات في الحجر وفي حمضي النووي، بالتوازي. وعندما أتنقل بين غرفه، أدرك أني لا أعلو وأهبط بين طوابقه المرئية فحسب؛ بل أراقب لغة جسد غير مرئي وقد نجا لتوه من موت اعتُبر محتومًا.
هي حالة من اكتمال الانتقاص إذن؛ أو العكس، إذ لا فرق في لعبة التماري تلك بين الحالتين. والترميم الذي أُجري للمنزل ــ على دقته ــ لم يستطع محو آثار الحرائق، ولا الرصاصات والقذائف التي اخترقته. هو كمصاب حرب شرسة، لُف بالضمادات، ويعرف تمامًا أن عودته إلى ما كان عليه مستحيلة. ويعرف أن وقوفه أمر واقع، وليس ترفًا من بطولة. في هذا النوع من البقاء شيء من صراحة فجة، فحواها أن التجميل لا يلغي العطب النفسي.
عمليًا، أكتشف أن ما يستوقفني هو الفراغ، كمحصلة لصراع طويل بين طاقات عنف نمطي، شكّل المكان من بُعدين متناقضين: فالجدران المنهارة والشقوق المتسعتة بهدف القنص والقتل في الأمس، أصبحت اليوم تُدخل الضوء والهواء، وتنبت فيها أعشاب لا تبدو ضارة بقدر ما تشير إلى حياة ما زالت ممكنة في معبر الموت هذا. يلفتني التحول في وظيفة الفتحة، وكيف أن العين التي كانت تتحسس الخطر المباغت من المنافذ، تنظر الآن إلى حركة الشارع الاعتيادية من النوافذ. والمتراس الذي لطالما فصل الداخل عن الخارج، بات يدعو المارّة إلى قلبه.
لهذا أفكر في الفراغ كمادة بصرية ممتلئة، لا تنتظر أن تُسدّ، بقدر ما تقدم عمقها وما خلفه من ظلال، كفرصة للتفكر في الأحداث التي سببتها ونتائجها. فراغ، يمكن أن يكون إطارًا لمشهدية كاملة من الماضي والحاضر، كهلالين مفتوحين على ما بينهما.
أعيد تركيب الطبقات المكشوفة: طلاء غطى لونًا، إسمنت فوق حجر، وشيفرة آثار وذخائر متنوعة لها أرباب يفككونها. طبقات، تظهر لي قريبة من تشريح الإنسان: جِلد، لَحم، عَظم، ثم روح. وربما لهذا أعتقد أن المنازل تشبه الأشخاص، لا سيما قاطنيها. وأنت بحاجة إلى معاشرتها من قرب كي تعرفها جيدًا. ففي حين توحي لك الواجهة بانطباع معين، يبقى ما وراءها يروي الحكاية الأصل، وما ينقصنا ليس المزيد من الطلاء.
بيروت مدينة تعكس ذاكرتها المحملة بالمآسي، وترومات ناسها، بمعنى أنها هي أيضًا مبنية من طبقات درامية مكبوسة: حروب، اجتياح، اشتباكات، اغتيالات، هجرات، أزمات مالية، إعادة إعمار، ثم إعادته وإعادة إعادته، إلى ما لا نهاية. وبين طبقة والثانية، تعلق علامات الإستفهام مثل أقراط لا تجد لها آذان.
كأن لبنان الذي أتقن صناعة الثقافة، الصحافة والنشر من الألف إلى الياء، وأنتج عددًا هائلًا من المسرحيات والأغاني الوطنية، القصص، الروايات، الجرائد والمجلات، قد طوى آخر صفحات ذلك المجد من دون أن يصوغ كتاب تاريخ موحّدًا لأجيال ما بعد الحرب الأهلية. العاصمة التي احتملت تعدد الأحزاب والأصوات، واحتضنت كمًا هائلًا من أفكار المتمردين، سقطت في كتابة سردية تاريخية جامعة، من أجلها ومن أجل أولادها، منذ تأسيس لبنان الكبير.
لكل وسيلة إعلامية ما تظهره وما تبطنه. لكل حزب روايته. لكل جماعة شهداؤها وخساراتها. ولكل جيل لغته في تفسير ما حدث. حتى الثورة ــ بكل ما حملته من حُسن نية وحماسة لعقد اجتماعي جديد ــ تعثرت قبل أن تجد خلفية لتلاقي الذاكرات القديمة بالجديدة.
ولهذا تمامًا تبدو لي الفجوات المبعثرة في كل أبنية البلد، تذكيرًا مُلحًا بما تركناه مفتوحًا: مساحة لم نعرف كيف نشغلها. والفراغ في الذاكرة قد يكون مفيدًا فقط إذا استقبل، قبل أي شيء، اعترافًا بما نحن عليه حقيقةً.




