في العادة، لا تلمس النساء تراب القبور، فتلك مهمة الرجال. هم الذين يحملون الجثمان، يصلّون عليه، ويحفرون ويدفنون. النساء للرثاء والبكاء ووداع ما قبل الدفن. لكن مجزرة تموز في السويداء بدّلتْ نواميس الأرض وجعلت النساء يحفرن بأيديهن. إلى أمهات السويداء، وكل أمّ جعلها الظلم تحفر...
كان عليها أن تحفر.
تحفرُ الترابَ الذي تحبهُ بغضبٍ، بيدين واهنتين معلقتين بجسدٍ ينتفضُ ذعراً. يلتفُّ الحرِّ حول عنقها ويخنقها الدخان، ورغم لهيب الهواء المحترق، ظلَّ جلدها عصيّاً، يابساً، ولم تنضح مسامها بقطرة عَرقٍ واحدة. تلك الخلايا التي كانت تفضح أي انفعال عابر، وتفيض بعد أي جهد صغير، سُدّت الآن تماماً.
لم يكن الحفرُ بأمرٍ من أحد، بل كان ما يجبُ فعلهُ؛ الجسدُ يسبقُ العقلَ، والغريزة تسبقُ التفكيرَ دائماً وأبداً. كانت تبذلُ طاقةً مهولةً أمام ترابٍ عصيٍّ لا يتزحزح. وبينما تلحُّ الأصواتُ المتفككةُ في رأسها، تخذلها يداها؛ يداها الماهرتانِ في صنع كلِّ شيء، المخدشتانِ الآن، المسلوختانِ، المتصلبتانِ، تعجزانِ عن القبضِ على مشطِ الزيتون بإحكام.
بعيداً، كان واقفاً كظلٍّ يراقب؛ رجلٌ لا تتذكره، لكنها موقنةٌ أنها كانت تعرفُهُ جيداً. شعرتْ باقترابهِ للحظاتٍ...لكنه كان مجرد وهم. لو أنه يكفُّ فقط عن مراقبة السماء الرمادية الملبدة برماد العالم الصامت، ويمدُّ يداً ليساعدها! فهي لم تعد تتحمل رائحة الاحتراق التي تتخلل روحها. لا شيءَ غيرُ الهمسِ يزحفُ في أذنيها وهي تكشطُ الترابَ بمشطِ الزيتون، بينما أخذَ الرجلُ يتحرك جيئةً وذهاباً بخفةِ؛ خفةِ مَنْ لا يطيقُ الانتظار. نعم، هي متأكدةٌ في أعماقها أنه لا يطيقُ الانتظار.
كانت الحفرةُ على حالِها تأبى أن تتسع، و ذلك التراب الذي تحبه يستعصي، وكأنه كلما زاحته، عاد إلى مكانه. تكسّرَ المشطُ، فأخفتهُ بسرعةٍ خلفَ ظهرها بذعرٍ طفوليٍّ خشيةَ أن يلمحَها، وأخذتْ تبحثُ حولها عن مجرفة. لا بد من مجرفةٍ كبيرةٍ لإنجاز حفرةٍ مرتبةٍ ومريحة! لكنها في غمرةِ هذا التيه، لم تعد تتذكر شكلَ المجرفة! نزلتْ إلى هوة القبوِ من دونَ أن تشعرَ بقدميها. ما الذي يفعلهُ الجميعُ هنا!؟ وجوهٌ شاحبةٌ لأجسادٍ متراصةٍ ترتعشُ مع اهتزازِ السقف؛ أطفال كأنهم فَقَدوا الطمأنينة للأبد. اجتازت أجسادهم باحثةً عن مجرفةٍ من دون انتظار إجابة لسؤالِها، صعدت حاملةً خشبةً كانت يوماً جزءاً من سريرِها، وتابعتِ الحفر.
كان لديها الكثيرُ من العمل، والرجلُ هناك ينتظر، والأرض خربة، والسماءُ الصامتةُ صارتْ قرمزيةً قاتمة. انغرست مسامير الخشبة في يديها ولم تشعر، بل تابعت الحفر. لماذا لا تطلبُ مساعدته؟ ذاك الذي يطوف هناك بين الأشجار، ألم يزرعْها بنفسه، تلك الأشجارُ التي يختفي بينها؟ الحفرةُ لا تتسع، وجسدُها ينتفضُ ذعراً، والأرضُ ترتجف. صارت تسمعُ همسات، حكايات، ضحك وأغنيات.. ثم يخنقُها الصمتُ وتعودُ تلك الأصوات المهشمةُ مُلحّةً في أذنيها. استمرت تحفرُ وتحفرُ، وفي عتمةِ الحفرةِ، ظهرت وجوه غريبة. ما الذي يفعلهُ هؤلاء هنا؟ أليس هذا بيتَها؟ بحثت بنظرها عن الرجلِ الذي بدأ يتلاشى، كانت تعرفُهُ جيداً...مستعجلاً لا يطيقُ الانتظار، ينجزُ كلَّ شيءٍ بسرعة. لو أنهُ مَن يعمل على هذه الحفرةَ لاستطاعَ إنجازها في ثوانٍ، ولانتهى كلُّ شيء. لكنه، يومها، لم يستطع فعل شيء. خيالات الأحبة تحفر الوجدان، القلوب، الصدور، وحتى المَسامِع، لكن التراب يستعصي عليها.
في عتمةِ القعر، تبدلتِ الوجوهُ الغريبةُ وحوشاً. ظلّت تحفر فيما تهوي على الأرضِ بكلِّ قوّتِها لتبعدَها. في تلك الساعة حدثت زلزلة عظيمة، انفتحت الحفرة و راحتْ تتسعُ وتتسعُ وكأنما لتبتلع كلَّ شيء. نظرتْ نحو الأشجارِ الرمادية التي لطالما خدشتها أوراقها، فسرتْ قشعريرةٌ في جسدِها. كانَ عليها أن تحفرَ هناك بينها، بين الأشجارِ المنتظمةِ في صفوف، ليرتاحَ رجُلُها الذي زرعَها، ولتكفَّ تلك الأصواتُ المُعذَّبةُ عن الهمسِ في أذنها: ماما".




