المخطوفات السوريات...أو المرأة لبّ الصراع

نور السيدالجمعة 2026/08/21
الفنانة الأميركية كارولي شنيمان، "عين جسد" (Eye Body)، 1963
الفنانة الأميركية كارولي شنيمان، "عين جسد" (Eye Body)، 1963
حجم الخط
مشاركة عبر

مخطوفة؟ أم أنها تحت تأثير جهة بعينها؟ من يحميها؟ 

لست وحدي من تقلقلها الإجابات المفقودة. الأسئلة كشفت حجم القلق السوري حيال ثقة مفقودة أيضاً، بعد تحوّل أي اسم أنثوي إلى قضية رأي عام. لعله مبرّر بعد سنوات من العنفز قنابل وبراميل، وكذلك أفكار تُطوّع كوسائل للنفوذ، وخطابات تسعى لإعادة تشكيل الفرد ضمن حلقة مغلقة. ربما هذا ما يفسّر تحوّل أي فتاة اختفت مؤخراً إلى قضية عامة، تدفعها إلى الواجهة الذاكرة المثقلة بالخراب. ويزيد السوريون أسئلة مشروعة على ما سبق: هل دخلنا مرحلة تحولات اجتماعية طبيعية بعد حرب فرضت قطيعة عائلية؟ أم هي محاولات لاستقطاب عقائدي؟ أم أنه قرار شخصي بحت لا يرتكز على أي مما ذُكر؟

 

لماذا النساء؟

قضية بتول علوش، كما مختفيات أخريات، عدن أو لم يعدن، لم تُحسم بعد. وها هو المجتمع السوري يفتح صدره لأسوأ الاحتمالات بعدما عانى اختفاءات قسرية وحقداً طائفياً امتد سنوات. فبات يقرأ أي حادثة فردية على أنها مشروع انتقام أو فرض هيمنة. وفي خضم الأخذ والردّ والتحليل، استوقفني سؤال إحداهن: "لماذا لم نسمع عن عمليات خطف رجال؟".

 

لطالما كانت النساء ساحة رمزية لأي صراع. حتى في الإحصائيات الصحافية، يتصدّرن اللائحة. فعند أي حدث يخلّف ضحايا، نسمع بكذا وكذا ضحية، غالبيتهم من النساء والأطفال. المرأة نقطة ضعف المجتمع، فإذا ما ضُرب فيها، رضخ. وحينما تُكسر رمزية الشرف والحماية، يُلوى ذراع المجتمع، خصوصاً إذا ما انتمت المرأة لفئة تشعر بالخوف والتهديد. وهنا يتّسع الخيال، ليخلط بين القرار الفردي، والخطر الوجودي...فنقف على جرف الهلع الطائفي، لا حول لنا ولا...

 

تعرضت النساء في سوريا لضغوط جمّة في سبيل الإذلال الجمعي. فبعد أحداث حماة 1982، أقدمت سرايا الدفاع على نزع الحجاب عن النساء في الشوارع. ومع اندلاع ثورة 2011، رصدت لجان أممية ممارسة التحرش والعنف الجنسي بصورة ممنهجة في حقّ المحتجزات. كما أن كثيرات كنّ يخشَين الخروج من الأماكن المحاصرة، ولو لسبب طارئ طبي مخافة احتجازهن ليسلّم المطلوب نفسه. أعرف إحداه،ن وقد غامرت بعملية قيصيرية ضمن ظروف صعبة للغاية، حتى لا يضطر زوجها للمقايضة ويسلّم نفسه. جاء تنظيم داعش ليجرّ الإيزيديات كغنائم حرب علناً، فرض اسطوة عقائدية وسياسية لينسف أي خطوط حمر ويلغي المقدّس. كل هذه الممارسات لم تكن عفوية أو انزلاقاً للشهوة أو انفلاتاً عسكرياً. بل سلاحاً تسلطياً لزرع الخزي والصمت ضمن بيئة محافظة. وربما يتحول إلى سلاح مزدوج، حين تلجأ الجماعة لتلك السلطة -باعتبارها المخلّص الوحيد- كي تستعيد شرفها!  

 

الأدلجة والإرادة

من الأسئلة التي دارت حول قضية بتول حين ظهرت بلباس إسلامي ملتزم: "هل نحن أمام أدلجة دينية؟".

قالت بتول إنها هاجرت في سبيل الله، تركت أهلها في اللاذقية واحتمت في"بيت الأخوات" في جبلة. 

 

لن أخوض في الجهة التي تحميها، ولو أن وزارة الشؤون الاجتماعية صرّحت بأن "بيت الأخوات" هذا غير مرخّص. انتشرت رؤى دعمت قرار بتول الفردي بتغيير المعتقد، فيما شكك آخرون في أنها تعرضت لغسل دماغ. وهنا تبرز أهمية التفريق بين الدعوة الدينية المشروعة لكل المعتقدات، وبين لأدلجة التي تهدف لإعادة تعريف المجتمع، وتصنيفه بين مؤمنين وكافرين، أخلاقيين ومفسدين. هذه الثنائية الحادة قد تدفع بالكثر نحو باب الخلاص الجماعي. 

 

اشتغل محمد دوبا على ملف التشيّع في سوريا، وكيف أن إيران دعمت مَن دخل المعتقد الشيعي مادياً ومعنوياً. حتى أن قرى بأكملها تحولت من المذهب السني إلى الشيعي. ويسأل دوبا:" هل تعتبر هذه إرادة حرة؟ مؤكد لا".

 

حجاب وإنجاب واغتصاب

لطالما كانت النساء في قلب أي صراع يشهر سيفاً عقائدياً. فبعد الثورة الإيرانية، أواخر سبيعينيات القرن الماضي، كانت المرأة جزءاً من مشروع سياسي صدّرها كنموذج مثالي، ورمزاً لدولة إسلامية جديدة تواجه تيّار التغريب وفساداً ثقافياً يهبّ من الغرب. فُرض عليهن الحجاب، فبات هوية السلطة الجديدة ومعياراً للولاء. الأمر الذي نفّذته "طالبان" أيضاً في أفغانستان؛ حيث استعرضت الحركة عضلاتها بإعادة تشكيل المجتمع والسيطرة من خلال التحكم ليس بلباس النساء، بل بكل ما يتعلق بهن من تعليم وعمل وحياة يومية.

 

لم تقتصر الأدلجة على الدين والعقيدة، بل تنافست في تطبيقها الأنظمة الشمولية، بدءاً من النازية، انتهاءاً بثورة الصين الثقافية 1976-1966، حيث سُلبت الصينيات حقهن في التزين والعاطفة، وحُصرنَ في سوق العمل الشاقّ، مروراً بالنظام السوڤياتي الذي فرض أعباء قاسية بدوره.

 

روّجت النازية سمة "المصانع" للنساء الألمانيات، تشجيعاً على الإنجاب لزيادة معدّل العرق الآري، فأصبح جسد المرأة منعطفاً ضمن المشروع الأيديولوجي. بينما في رومانيا، حُظرت وسائل منع الحمل والإجهاض، ضمن مشروع لزيادة عدد السكان، لجني ثماره اقتصاديا وقومياً. كثيرات فقدن حيواتهن بسبب عمليات إجهاض سرية، ليظل الجسد الأنثوي تحت السيطرة السياسية وبلا مقاومة. الاغتصاب الجماعي من قبل الصرب، لنساء البوشناق في البوسنة ضمن حرب البوسنة والهرسك (1992-1995) أداة تطهير عرقي، وإذلال جماعي. 

 

تبقى النساء الخاسر الأكبر ضمن مسننات الأنظمة الْمُؤَدْلَجة. تُسلبن الحرية عنوة: فرض الحجاب أو منعه. أمومة قسرية أو حرمان. منع التعليم أو فرضه. أولاً وأخيراً: أداة للحُكم والتحكّم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث