تسعى دعاء منصور، خطيبة الشهيد مصطفى قصاب، أن تخرج صورة خطيبها الراحل من طابعها العسكري والسياسي. "كان إنساناً قبل أن يكون شهيداً"، تقول منصور لـ"المدن"، وهو ما دفعها لنشر مقاطع فيديو وصور لخطيبها توثق حياته اليومية قبل رحيله، ذلك أن ما عاشه "لم يكن حياة مقاتل فحسب، وإنما حياة كاملة كان يفترض أن تستمر"، حسبما تقول.
ودعاء، واحدة من عشرات العائلات الجنوبية التي فقدت حبيباً وأباً وزوجاً كان يقاتل في صفوف "حزب الله" ضد الاحتلال الاسرائيلي، اختاروا أن يوثقوا حيوات أحبائهم الراحلين كما عرفوهم. لم يعرف هؤلاء الحياة العسكرية للشهداء، ذلك أن هذا العمل المقاوم، له صيغته السرية التي لا يعرفها إلا زملاؤهم.. لكن الحياة الشخصية، كانوا معنيين بها. اختبروها، وعايشوها، والآن يخرجوها إلى الضوء خارج الكادر العسكري، وفي تصحيح للاعتقاد اللبناني المسبق بأن هؤلاء الشهداء لم يحبوا الحياة.
مئات القصص
في مواقع التواصل، تنتشر المئات من القصص اليومية للراحيلن. في أحد المقاطع، يرافق شاب من ميس الجبل زوجته وابنته الى رحلة صيد السمك.. بات ذلك النشاط ذكرى بالنسبة لزوجته التي تنشر الفيديو في صفحتها، وتشاركها مع الآخرين.
وفي مقطع آخر، تظهر دعاء وخطبيها وهو يعبر لها عن حبه لها واهتمامه وتنشر صور لخطبيتهم مع بعضهم..
تقول دعاء لـ"المدن": إن قرارها توثيق حياة زوجها قبل الاستشهاد، بكل تفاصيلها اليومية، فاجأها بحجم التفاعل الذي أحدثه. كثيرين أخبروها أنهم كانوا يرون الشهيد بصورة مختلفة تماماً، وكأن الشهيد يجب أن يبقى في مخيلة الناس محصوراً في البدلة العسكرية أو في لحظة الموت والحزن. أما هي، فتحاول أن تُظهر الشخص الذي كان خلف هذه الصورة: شاب يحب الحياة، يضحك، يحلم، يحب، ويخطط للغد.
الأهم، بالنسبة إليها، أن بعض المتابعين أخبروها أنهم بدأوا يرون الشهداء بصورة "أقرب وأكثر إنسانية"، وأنهم انتبهوا للمرة الأولى إلى أن هؤلاء كانوا، قبل أن يصبحوا شهداء، أشخاصاً لهم تفاصيلهم التي تشبه تفاصيل كل البشر، وذكرياتهم، وأحلامهم وحياتهم اليومية.
كسر الصورة النمطية
الحرب، بطبيعتها، تختزل الإنسان في دوره: مقاتل، شهيد، جندي، ضحية. أما العائلة فتحاول أن تقاوم هذا الاختزال، بإعادة التفاصيل إلى الصورة.تقول منصور إن توثيق حياة مصطفى يحاول أيضاً كسر الصورة النمطية عن الشباب المقاتلين.
ففي الخطاب المرتبط بالحروب، غالباً ما تُبنى صورة المقاتل حول القوة والانضباط والجدية والتضحية والاستعداد للموت. وهي صورة تترك مساحة ضيقة جداً لما هو عادي ويومي وإنساني.
تضيف منصور إن الشهيد لا يجب أن يُحصر في صورة واحدة أو قالب واحد. قد يكون شاباً يحب الحياة، لديه أحلامه وخططه، وينتظر أن يعيش عمره مثل أي شاب آخر، وفي الوقت نفسه يحمل قضية ويكون مستعداً للتضحية من أجلها.
بهذا المعنى، لا تحاول العائلة صناعة صورة "أقل عسكرية" بقدر ما تحاول صناعة صورة "أكثر اكتمالاً".
يقاومون لكي يعيشوا
تمارا حكيميان، شقيقة الشهيد آدم، الأرمني الجنسية، الذي أثار إعلان استشهاده تفاعلاً واسعاً، خصوصاً لكونه أرمنياً ومقاتلاً في صفوف "حزب الله"، تقول لـ"المدن" إن ردود الفعل على ما تنشره عن شقيقها تحمل، في كثير من الأحيان، شيئاً من الاستغراب والتعجب. فالبعض يتساءل كيف يمكن لشخص يختلف دينياً عن البيئة التي ينتمي إليها الحزب أن يكون قريباً إلى هذا الحد من فكر المقاومة؟
لكن، حسب حكيميان، يترافق هذا الاستغراب مع كثير من التعاطف والمحبة، خصوصاً من أشخاص كانوا قريبين من آدم ويعرفون شخصيته وحياته عن كثب. وتقول إن الشباب، في الغالب، ينظرون إلى المقاومة والشهداء بعيداً من الانتماء الديني، باعتبارها قضية أو مبدأ، وفي الوقت نفسه، هم أشخاص يعرفون كيف يعيشون حياتهم ويستمتعون بتفاصيلها.
وترى حكيميان أن الصورة النمطية المزروعة عن الشباب المقاتلين تختلف كثيراً عن حقيقتهم. فهؤلاء، بحسبها، يعرفون كيف يعيشون حياتهم ويحافظون على صحتهم وتوازنهم النفسي والعقلي، ولا يختزلون أنفسهم في الحرب أو القتال.
وتختم إن ما يميزهم، هو أنهم "لا يقاومون الحياة، بل يقاومون من أجلها"، من أجل حياة كريمة، بعيدة من الاستسلام والخضوع. "هم يقاومون لكي يعيشوا"، تقول، لا لأنهم اختاروا الموت بديلاً عن الحياة.
في نهاية المطاف، لا تحاول هذه المنشورات أن تضيف حياة إلى الشهداء، بل أن تذكّر بحياة كانت موجودة أصلاً قبل أن تتوقف. حياة فيها خطيبة تنتظر، وزوجة تحفظ فيديو من رحلة صيد، وأصدقاء يتذكرون نكتة، وأم تحتفظ بصورة قديمة.
وربما تكون هذه، في جوهرها، وظيفة الصور التي تنشرها العائلات اليوم، أن تعيد إلى الشهيد حياته، ولو في الصور، بعدما أخذ الموت منه المستقبل.




