عاد اسم الشابة السورية آيات الرفاعي إلى واجهة النقاش العام، بعدما أُوقف زوجها غياث أحمد الحموي، المدان في قضية مقتلها، ثم أُطلق سراحه من قسم شرطة ببيلا بعد ساعات، من دون صدور توضيح رسمي يحدد الجهة التي أمرت بالإفراج عنه أو الأساس القانوني للقرار.
وأثار الخبر موجة غضب في وسائل التواصل الاجتماعي، استحضرت تفاصيل القضية التي هزّت سوريا مطلع العام 2022، وطرحت أسئلة جديدة بشأن تنفيذ الأحكام القضائية ودور العاملين في أقسام الشرطة ومدى شمول الحموي بمرسوم العفو العام الصادر في شباط/فبراير الماضي.
توقيف لساعات
وكانت عائلة آيات حصلت على معلومات عن مكان وجود الحموي من شخص وصفته والدتها بأنه فاعل خير، وأبلغت الأسرة قسم شرطة ببيلا في ريف دمشق، قبل أن تتوجه دورية إلى المكان وتلقي القبض عليه قرابة الساعة الخامسة من مساء السبت 15 آب/أغسطس، وفق ما روته الأم لتلفزيون سوريا.
لكن فرحة العائلة باعتقاله لم تدم طويلاً، ففي اليوم التالي، توجهت الأم إلى المخفر لتُفاجأ بأن الحموي خرج من التوقيف، من دون تحويله إلى المحكمة أو إلى الجهة المسؤولة عن تنفيذ الحكم السابق، بحسب روايتها. وعندما سألت عن أسباب الإفراج، طُلب منها مراجعة "الجنائية الأولى" للحصول على التفاصيل.
ولم تنشر وزارة الداخلية أو وزارة العدل بياناً يوضح ما إذا كان إطلاق سراح الحموي قد جرى بناءً على قرار قضائي، أو بعد احتساب مدة محكوميته أو نتيجة شموله بمرسوم عفو، كما ولا توجد وثيقة عامة تكشف وضعه في سجل تنفيذ الأحكام أو مقدار العقوبة المتبقية عليه.
من هو "الشيخ" الذي أًطلق سراحه؟
وانتشرت في المنصات عبارة تقول أن شيخاً في مخفر ببيلا أطلق سراح الحموي، لكن هوية الشخص المقصود وصفته وصلاحياته لم تتضح.
ووفقاً لشهادة الأم، فإن مسؤولاً وصفته بالشيخ، أبلغها بخروج الحموي، وطلب منها مراجعة الجنائية الأولى لمعرفة الأسباب، ومن غير المعروف إذا كان "الشيخ" ينقل قراراً صادراً عن القضاء أو جهة أمنية أخرى، أم اتخذ القرار داخل المخفر. وتحول غياب هذه التفاصيل إلى محور أساسي في النقاش، وتساءل سوريون عن الجهة المخولة قانونياً بالإفراج عن شخص محكوم، وعن سبب عدم إطلاع العائلة على القرار، وانتقد آخرون إسناد مهام حساسة داخل أقسام الشرطة إلى أشخاص لا تُعرف خلفياتهم القانونية أو حدود صلاحياتهم. وطالب أحد المنشورات وزارتي الداخلية والعدل بكشف المستند الذي استند إليه الإفراج، مؤكداً أنه إذا كان القرار صحيحاً فمن حق الرأي العام والعائلة معرفة مضمونه.
تهديدات ومخاوف على الطفلة شمس
وحسب والدة آيات، كان الحموي قد خرج من سجن عدرا المركزي خلال الفوضى التي رافقت سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وظل يتنقل بين أماكن مختلفة منذ ذلك الوقت، ما أعاق العثور عليه، وقالت في تصريحات إعلامية أنه أرسل إليها تهديدات بالقتل عبر تطبيق واتسآب وحسابات وهمية على فيسبوك، مطالباً إياها بتسليمه الطفلة شمس، ابنة آيات، والتنازل عن حق ابنتها. كما اتهمته بإرسال شخص إلى منزلها في محاولة للاعتداء عليها وخطف الطفلة.
وتقدمت العائلة بشكاو عديدة، كما طلبت من وزير العدل إعادة فتح القضية والتحقيق في التهديدات. وطالبت الأم السلطات بتوفير الحماية لها ولحفيدتها، محملة الجهات المعنية المسؤولية عن أي أذى قد يلحق بهما بعد إطلاق سراح الحموي.
وامتد الخلاف إلى حضانة الطفلة، فقد تقدم الحموي بطلب لاسترداد ابنته بعد وفاة والدتها، وحصل، بحسب العائلة، على قرار أوّلي بالحضانة، قبل أن تعترض الأسرة عليه وتضع نسخة من الحكم الجنائي الصادر بحقه في ملف الدعوى.
وقالت المحامية خلود صياد، الموكلة بقضية آيات، إن الحموي مجرد من حقوقه المدنية ولم يحصل على رد اعتبار، معتبرة أن وضعه القانوني وسجله الجنائي يمنعان منحه الحضانة، مع احتمال تمتعه بحق الرؤية وفق الشروط التي يحددها القضاء. وما زالت الطفلة شمس في رعاية جدتها.
وتحدثت متضامنة مع القضية أيضاً عن تلقيها تهديدات من حسابات مجهولة بسبب منشوراتها المطالبة بالعدالة لآيات. وقالت إن الحموي تقدم بشكوى أمام فرع الجرائم الإلكترونية ضدها وضد أشخاص آخرين، متهماً إياهم بالتشهير.
غضب ومساءلة للسلطات
وغلبت الصدمة على المنشورات والتعليقات التي تناولت خبر الإفراج، وتركزت التساؤلات حول كيفية دخول شخص محكوم إلى قسم الشرطة ثم خروجه بعد ساعات، وسبب عدم نقله إلى القضاء للتحقق من المدة المتبقية من عقوبته ووضعه بوصفه فاراً من السجن.
وطالب مستخدمون وزارة الداخلية بالكشف عن هوية الشخص الذي أمر بالإفراج، فيما دعا آخرون إلى التحقيق في عمل قسم شرطة ببيلا. وظهرت اتهامات بوجود وساطة أو رشوة، وربط بعض المعلقين ما حدث بالنفوذ الذي كانت تتمتع به عائلة الحموي خلال عهد الأسد وعمله السابق في الحرس الجمهوري.
واستحوذ الخوف على حياة والدة آيات وحفيدتها على جانب كبير من التفاعل، وتكرر سؤال: "من سيحمي عائلة آيات؟"، وطالب معلقون السلطات باتخاذ إجراءات فورية، خصوصاً بعد خروج الأم في مقابلة تلفزيونية وهي تتحدث عن التهديدات التي تقول إنها تلقتها.
واستعادت منشورات أخرى الحكم الصادر في القضية عام 2022، معتبرة أن السجن سبع سنوات لم يكن متناسباً مع ما تعرضت له آيات، وتجددت المطالب بإعادة فتح الملف ومراجعة تغيير الوصف القانوني من القتل القصد إلى الإيذاء المفضي إلى الموت.
كيف قُتلت آيات الرفاعي؟
كانت آيات في التاسعة عشرة من عمرها وأماً لطفلة لم تتجاوز عامها الأول، تزوجت وهي في الخامسة عشرة، وعاشت في منزل زوجها وعائلته في منطقة المجتهد بدمشق، وسط عنف متكرر تحدث عنه والداها وجيرانها بعد وفاتها.
في مساء 31 كانون الأول/ديسمبر 2021، وصلت آيات إلى "مستشفى المجتهد" مفارقة الحياة، وعلى جسدها ورأسها آثار ضرب وكدمات، وادعى زوجها وعائلته في البداية أنها سقطت عن الدرج أو ضربت رأسها بالحائط، قبل أن يكشف التحقيق الطبي والجنائي أن الوفاة نتجت عن أذية دماغية ناجمة عن الضرب.
وبحسب الاعترافات المصورة التي نشرتها وزارة الداخلية آنذاك، كان الزوج ووالده وزوجة والده يضربون آيات بصورة متكررة بحجة "تأديبها". وفي يوم وفاتها، ضربها والد الزوج مرتين بعد خلافات قيل إن أحدها تعلق بمياه الحمام، والآخر بفقدان مفك براغٍ، وعندما عاد الزوج، تشاجر معها وضرب رأسها بالحائط، ثم تركها في الغرفة قبل العثور عليها في حالة حرجة.
وأدى منشور كتبته إحدى الجارات إلى انتشار القضية في وسائل التواصل، بعد مخاوف من إفلات المتهمين من المحاسبة، وتحت ضغط الغضب العام، أعادت السلطات توقيف الزوج وعائلته، ونشرت اعترافاتهم. وتحوّل هاشتاغ "حق آيات الرفاعي" إلى أحد أبرز حملات المطالبة بمحاسبة مرتكبي العنف الأسري في سوريا في سياق غياب تشريع سوري خاص بالعنف الأسري.
حكم مخفف واتهامات بالتلاعب
ووجهت إلى الحموي ووالده تهمة القتل العمد، بينما اتهمت والدته وشقيقه بالتدخل في القتل، لكن الوصف القانوني تغير بعد انتقال الملف إلى محكمة الجنايات، ليصبح "الإيذاء المفضي إلى الموت".
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2022، حكمت المحكمة على غياث الحموي ووالده بالسجن سبع سنوات، وعلى شقيقه بالسجن عاماً، فيما أُطلق سراح والدته بعد الاكتفاء بمدة توقيفها. كما أُلزما بدفع 15 مليون ليرة سورية تعويضاً لعائلة آيات.
ورفضت العائلة الحكم ووصفته بالمجحف، وأعلنت نيتها الطعن فيه. وقال والد آيات إن عائلة الحموي عرضت عليه 120 مليون ليرة مقابل التنازل عن الدعوى وإسقاط حقه الشخصي، لكنه رفض العرض. ولم تُنشر لاحقاً معلومات واضحة عن نتيجة الطعن أو ما إذا اكتسب الحكم بصيغته الأصلية الدرجة القطعية.
وتتهم والدة آيات عائلة الحموي باستخدام المال والنفوذ للتأثير في مسار القضية خلال عهد النظام السابق، وتتحدث عن رشى دُفعت داخل المستشفى وقسم شرطة القنوات والقضاء. كما تقول إن مسؤولاً في الحرس الجمهوري ساعد الحموي، الذي أظهرت صور من حسابه الشخصي أنه خدم سابقاً في صفوف قوات النظام.




