إبنك حمار يا ثريا

نسرين النقوزيالثلاثاء 2026/08/18
خطوط الفنانة البريطانية بريدجيت رايلي التي تتحدى مفاهيم المعنى والمنظور باستخدام أنظمة بسيطة من المساحات الهندسية
خطوط البريطانية بريدجيت رايلي تتحدى مفاهيم المعنى والمنظور بأنظمة بسيطة من المساحات الهندسية
حجم الخط
مشاركة عبر

"ابنك حمار يا ثريا"...كم قيلت هذه الجملة وما شابهها للأمهات فقط لأن أبناءهن "غير فالحين" في الرياضيات.


الرياضيات هي المادة الوحيدة تقريبًا التي تعطيك جوابًا واحدًا صحيحًا. إما صح، أو خطأ. لا منطقة رمادية. ولهذا تصبح، بالنسبة إلى كثيرين، التجربة الحقيقية الأولى مع الإحساس بالعجز.


لطالما تعاملنا مع هذه المادة على أنها المعيار الذي يقسم الناس إلى أذكياء وأغبياء. إذا كنت متفوقًا فيها فأنت "عبقري"، وإذا أخفقت فأنت من أصحاب "العقل الأدبي". ترسخت هذه الثنائية في أذهاننا حتى تحولت حقيقة اجتماعية، رغم أن الأبحاث الحديثة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.


هوارد غاردنر، صاحب نظرية الذكاءات المتعددة، قلَب هذه الفكرة منذ الثمانينيات. فالذكاء ليس واحدًا، بل منظومة كاملة: هناك الذكاء اللغوي، والموسيقي، والاجتماعي، والبصري، والحركي، والمنطقي الرياضي. التفوق في أحدها لا يعني التفوق في الكل، كما أن التعثر في أحدها لا يعني نقصًا في الذكاء.


في السنة الأخيرة من المدرسة، أهملتُ مادة الحساب، مع أنني كنت في الفرع العلمي. كان الأمر يتطلب مني الكثير من الدرس والتركيز، ولم أكن أريد أن أفعل ذلك. بقيت هناك معادلات كثيرة لم أفهمها ولم أحلها وقتها، وما زالت عالقة في ذهني بعد أكثر من ثلاثين عامًا. أحلم بها مرارًا. وفي الحلم أكون في الصف الأخير من المدرسة. هناك مسألة لم أفهمها. أعرف أن الامتحان اقترب، وأشعر بذلك الذعر القديم نفسه. أحاول أن أحلها، لكن الأرقام تتبعثر. أستيقظ دائمًا قبل أن أصل إلى الجواب.
وحين بدأت أقرأ عن هذا الأمر، اكتشفت أن ما يحدث ليس غريبًا!


في علم النفس، يُطلق على هذه الظاهرة اسم "تأثير زيغارنيك" (Zeigarnik Effect)، وهو ميل الدماغ إلى إبقاء المهمات غير المنجزة أو غير المفهومة حيّة أكثر من تلك التي انتهت. التجارب التي بدأت منذ عالمة النفس الروسية بلوما زيغارنيك، أظهرت أن الإنسان يتذكر ما لم يكتمل أكثر مما يتذكر ما أنجزه.

سريالية إم. سي. إيشر: غالباً ما يرتكز فنه على الهندسة الزائدية (Hyperbolic Geometry). وقد جمعته علاقة صداقة وتعاون مع عالم الرياضيات والهندسة الكندي هارولد سكوت ماكدونالد كوكسيتر
السوريالي إم. سي. إيشر: غالباً ما يرتكز فنه على الهندسة الزائدية (hyperbolic geometry). وقد جمعته علاقة صداقة وتعاون مع عالم الرياضيات والهندسة الكندي هارولد سكوت ماكدونالد كوكسيتر

كأن العقل يرفض أن يوقّع على الهزيمة.، لهذا، ربما، لم تغادرني تلك المعادلات. بمعنى آخر، الرسالة التي تربينا عليها كانت خاطئة منذ البداية. بل إن علماء الأعصاب يذهبون اليوم أبعد من ذلك. 


الغريب أن حياتي كلها ذهبت في اتجاه آخر. لم أصبح مهندسة ولا عالمة فيزياء. أكتب الرواية والمقالة، وأعيش بين الكلمات، لا بين المعادلات. ومع ذلك، بقيت الرياضيات المادة الوحيدة التي تلاحقني في الأحلام، كأن دماغي يرفض أن يغلق ملفًا بقي مفتوحًا.


"قلق الرياضيات" (Math Anxiety)، حالة نفسية تجعل مجرد رؤية مسألة حسابية ترفع مستوى التوتر وتضعف الأداء، حتى عند أشخاص يمتلكون القدرة على الحل. وتشير الدراسات إلى أن الخوف من الرياضيات قد يصبح، في بعض الحالات، أقوى من صعوبة الرياضيات نفسها.
 

ربما لهذا بقيت تلك المسائل معي كل هذه السنوات. لا لأنها كانت أصعب من أن تُحل، بل لأنني تركتها من دون حل. كثيرون لا يتذكرون نظرية فيثاغورس، لكنهم يتذكرون شعورهم أمامها.
ربما تكمن أهمية الرياضيات في مكان آخر تمامًا. تشير دراسات إلى أنّ تعلم الرياضيات لا يبني مهارة الحساب فحسب، بل يبني أيضًا التفكير المنطقي، واكتشاف الأنماط، والصبر، وتحمل الإحباط، والقدرة على تقسيم المشكلة إلى أجزاء.


فالتصوير الدماغي يبيّن أن حل المسائل الرياضية لا يعتمد على "مركز الحساب" وحده، بل أيضاً على شبكات مرتبطة بالذاكرة والانتباه واللغة والتخطيط واتخاذ القرار. الرياضيات ليست حفظ قوانين، بل تدريباً على بناء العلاقات المنطقية بين الأشياء. أي أن الرياضيات أقرب إلى تدريب للعقل، وليست تدريبًا على الأرقام.

يُقال إن سالفادور دالي كان يبدأ كل عمل فني بشكل هندسي، ثم يواصل البناء عليه بأسلوب إبداعي مستنداً إلى حدسه بشأن الخطوة التالية.
يُقال إن سالفادور دالي كان يبدأ بشكل هندسي، ثم يواصل البناء عليه إبداعياً مستنداً إلى حدسه بشأن الخطوة التالية.

وحين أنظر إلى عملي اليوم، أكتشف أنني لا أستخدم الجبر ولا اللوغاريتمات. لا أحتاج إلى حل المعادلات كي أكتب رواية أو مقالة. ومع ذلك، أشعر أنني استفدت من ذلك النوع من التفكير الذي كانت الرياضيات تدربني عليه: النظر إلى الأشياء باعتبارها علاقات، البحث عن منطق ما، تفكيك المشكلة إلى أجزاء، ومحاولة الوصول من نقطة إلى أخرى من دون أن أفقد الخط.


ربما لهذا السبب لا أستطيع أن أصدق أن الإنسان الذي لا يجيد الرياضيات هو بالضرورة أقل ذكاءً. وربما لهذا أيضًا لا أستطيع أن أفهم لماذا جعلتنا المدرسة نعتقد أن هناك عقلًا "علميًا" وعقلًا "أدبيًا"، وكأن أحدهما أكثر قيمة من الآخر.


ربما لا تكون المسافة بين الأدب والرياضيات بعيدة كما تصوّرنا. الكاتب، مثل الرياضي، يبحث عن العلاقات الخفية بين العناصر. في الرواية، لا تأتي التفاصيل منفردة. كل شخصية تقود إلى أخرى، وكل حدث يغيّر ما بعده، وكل معلومة يمكن أن تعيد ترتيب المعنى كله. هناك بناء، وإيقاع، وتناسب، وأنماط تتكرر ثم تنكسر. الكاتب يحاول، بطريقته، أن يفهم كيف تنتظم الأشياء، وكيف يمكن لعنصر صغير أن يغيّر شكل النظام كله.

 

حتى اللغة، التي تبدو في الطرف المناقض للأرقام، تحتاج إلى نوع من التفكير البنائي. جملة واحدة في غير مكانها تفسد إيقاع صفحة كاملة، كما أن تفصيلًا صغيرًا في الرواية يمكن أن يغيّر مسار الحكاية. وفي الكتابة، كما في الرياضيات، لا يكفي أن تكون لديك العناصر، عليك أن تعرف العلاقة بينها.


إذن وبكل وضوح وثقة، إذا وقفتَ يوماً عند مسألة حسابية وعجزت عن حلّها ، لا تدعهم يقنعونك بأنك غبي وساذج . "ابنك مش حمار يا ثريا" هو فقط حساباته على "قده".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث