لبنانيون في إسرائيل غاضبون من "العفو العام"..وتل أبيب تحرّض

أدهم مناصرةالخميس 2026/08/13
عناصر من "جيش لحد" أمام العلم الإسرائيلي في المجيدية العام 1999 (Getty)
عناصر من "جيش لحد" أمام العلم الإسرائيلي في المجيدية العام 1999 (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

راقب الإعلام الإسرائيلي قانون العفو العام اللبناني منذ اللحظة الأولى لطرحه للنقاش داخل أروقة البرلمان وخارجها، وصولاً إلى إقراره. وحاولت وسائل إعلام عبرية تقديم القانون بوصفه واحداً من الملفات التي لا تحظى بإجماع لبناني، فتناولت القضية تارة من زاوية طائفية، وتارة أخرى عبر التركيز على تصريحات عائلات "جيش لحد" الفارة إلى إسرائيل، وانتقاداتها لما وصفته بـ"العفو الناقص"، باعتباره مقتصراً على أفراد عائلات "جيش لحد"، ولا يشمل المقاتلين أنفسهم.

 

وسعى الإعلام العبري إلى اختزال الشق المتعلق بعائلات "جيش لحد" في قانون العفو اللبناني، بمجرد موقف صادر عن عائلات لبنانية مرتبطة بإسرائيل، بما يجرد القضية من أبعادها الأمنية والوطنية المتصلة بقوات "جيش لحد" الهاربة إلى إسرائيل. ويعكس ذلك توصيف مواقع إسرائيلية لموقف "جمعية العناصر السابقين في جيش لبنان الجنوبي" من القانون، باعتباره احتجاجاً على صيغة العفو الخاصة بعائلات "جيش لحد"، انطلاقاً من دافعين رئيسيين: أولهما أن العفو لا يشمل مقاتلي "جيش لحد" أنفسهم، ويقتصر على النساء والأبناء، وثانيهما رفض الجمعية إدراجهم ضمن قانون واحد مع فئات أخرى تضم "عناصر داعش وإسلاميين ومجرمين وتجار مخدرات".

 

وطالبت جمعية "أفراد جيش لبنان الجنوبي" المقيمة في إسرائيل، الدولة اللبنانية، بتقديم "اعتذار" لمقاتلي "جيش لحد"، بدلاً من سن "قانون يساوي بينهم وبين إرهابيي داعش وتجار المخدرات". كما دعت إلى معالجة قانونية منفصلة وخاصة لقوات "جيش لحد" وعائلاتهم، انطلاقاً من زعمها أن أفرادها "ليسوا مجرمين".

 

أما قناة "كان" العبرية، فوجدت ضالتها في جوناثان الخوري، ابن أحد عناصر "جيش لحد" االسابقين، الذي تساءل في حديث لبرنامج "الساعة الدولية" عن "الفائدة" التي تعود عليه من قانون العفو، إذا لم يكن والده مشمولاً به. وأشار إلى أن أمر توقيف صدر بحقه في لبنان بعد العام 2011، متسائلاً: "هل يشملني العفو؟"، بموازاة اعتباره أن السؤال المطروح لدى كثيرين من عناصر "جيش لحد" السابقين، هو "كيف أستفيد من القانون؟".

 

ولم يكتف الخوري المقيم في حيفا، بهذا الظهور التلفزيوني، بل نشر تدوينات في "إكس"، انتقد فيها قانون العفو اللبناني، ووصفه بأنه "عدالة زائفة"، وطالب كذلك بـ"رد اعتبار" من الدولة اللبنانية، مضيفاً أن التاريخ "أثبت" أن جنوب لبنان كان "لبنانياً" خلال فترة وجود "جيش لحد" فيه، حسب تعبيره. 

 وظهر أبناء عناصر من "جيش لحد" مع إذاعات إسرائيلية، تحدثوا باللغة العبرية عن تذمرهم من قانون العفو، باللعب على الوتر العاطفي والقول أن القانون يعني "تمزيق العائلة"، عبر السماح لجزء بالعودة ومنع جزء آخر، إلى جانب ادعائهم بأنه لا "ضمانات" بعدم تعرض المشمولين بالعفو من عائلات لحد، للاعتقال أو الأذى.

 

والحال أن غالبية اللقاءات والمنشورات التي ركزت عليها وسائل الإعلام الإسرائيلية، تمحورت حول أسلوب إسرائيلي تقليدي، وهو جعل قضية العملاء اللبنانيين وعائلاتهم في إسرائيل، وكأنها مجرد موضوع سياسي، أو حقوقي وإنساني، بدلاً من جريمة وطنية ناتجة بشكل رئيسي عن احتلال تل أبيب لأراض لبنانية قبل لعقود. واللافت أيضاً أن الإعلام الإسرائيلي ركز على مواقف المسيحيين فقط من عائلات "جيش لحد"، رغم أن هناك أيضاً في صفوفهم أفراد من أبناء الطائفة الشيعية، في محاولة لإظهار القانون وكأنه "طائفي"، يشدد المعايير ضد المسيحيين المعارضين لـ"حزب الله".

 

وأبرزت المعالجات إلاعلامية الإسرائيلية القضية بوصفها جدلاً لبنانياً داخلياً، ما ينسجم مع غاية إسرائيلية تتمثل في الحرص على إذكاء أي انقسام أو جدل لبناني طالما ارتبط بالعلاقة مع إسرائيل. لكن ما يغيب عن كثير من هذه المعالجات أن أي عفو يشمل مقاتلي "جيش لحد" أنفسهم، وكذلك عائلاتهم، ربما يفتح الباب أمام إعادة توظيفهم كقوة احتياط مرتبطة بإسرائيل، بما يمنحهم دوراً جديداً في جنوب لبنان. وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر، عند الأخذ في الاعتبار ما أوردته تقارير أمنية إسرائيلية عن استعانة تل أبيب بضباط وعناصر سابقين في "جيش لحد"، للاستفادة من معارفهم وتقييماتهم وخرائطهم المتعلقة بطبوغرافية وجغرافية المناطق اللبنانية، إضافة إلى خبرتهم في تكتيكات "حزب الله"، في محاولة لتحسين فرص نجاح العمليات البرية الإسرائيلية داخل لبنان. كما أن بعض هؤلاء يحافظ على قنوات تواصل مستمرة مع لبنانيين في الداخل، ويستقون منهم معلومات ميدانية.

 

وحاولت تقارير عبرية إضفاء شرعية على "جيش لحد" بالإشارة لتأسيسه في سبعينيات القرن الماضي خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وأنه حظي في مراحل مختلفة بدعم السلطات اللبنانية، قبل أن يصبح حليفاً لإسرائيل في المنطقة الحدودية، فيما أشارت إذاعة "مكان" العبرية أن ملف عناصر الجيش يعود إلى الواجهة في كل مرة يطرح فيها موضوع العلاقات بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن قانون "العفو العام" يعيد بذلك فتح ملف اللبنانيين الهاربين إلى إسرائيل قبل أكثر من عقدين، مع بقاء وضعهم من دون تسوية قانونية شاملة.

 

ورأى مقال لـ"معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي، أن مسألة القوانين اللبنانية، تأخذ نهجاً تدريجياً، وأنه يصعب تعديل وتغيير القوانين المجرمة للتعامل مع إسرائيل بين عشية وضحاها، أي أن المعهد يراهن على عامل الوقت كما أوصى قادة إسرائيل بتفهم هذه النقطة، فيما اعتبرت تحليلات إسرائيلية أن إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، هو بحد ذاته "حدث تاريخي ودراماتيكي"، في إشارة إلى أنه يعكس تغيرات متسارعة في لبنان، مستدلة على ذلك بمرور قانون "العفو العام" رغم معارضة "حزب الله" و"التيار الوطني الحر".

 

وأشارت مواقع إسرائيلية يمينية إلى إشادة وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، بأن لبنان أول دولة في الشرق الأوسط تلغي الإعدام، كتصريح يحمل دلالة خاصة تجاه إسرائيل التي رغم أنها لا تنفذ عقوبة الإعدام فعلياً، تحافظ عليها في القانون ضمن نصوص محددة.

 

بدورها، اعتبرت مديرة برنامج العلاقات بين إسرائيل وأوروبا في معهد "ميتفيم" مايا سيون، أن إلغاء لبنان قانون الإعدام، يسد الفجوة بين الواقع من جهة، ونص القانون من جهة أخرى، كما أنه يقرب بيروت من الاتحاد الأوروبي الداعم للخطوة، وإن لم يكن ذلك هو سبب الإلغاء، بحسب سيون التي رأت أن لبنان تقدم في ذلك على ما "حكومة بن غفير" التي أقرت "قانوناً شعبوياً وغير قانوني لإعدام أسرى فلسطينيين".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث