نقابتا الصحافة والمحررين تخوضان معركة ضد قانون الإعلام

مالك دغمانالأربعاء 2026/08/12
Image-1786536952.Jpg
من وقائع المؤتمر الصحافي لنقابتي "الصحافة" و"المحررين" ضد القانون الجديد
حجم الخط
مشاركة عبر

فتحت نقابتا "الصحافة اللبنانية" و"محرري الصحافة"، مواجهة قانونية وإعلامية حول قانون الإعلام الذي أقره البرلمان في جلسته العامة مساء الثلاثاء، إذ طالبتا في موقف موحد، رئيس الجمهورية جوزاف عون، بردّ القانون لإعادة دراسته في اللجان النيابية، على ضوء "مخالفات" في القانون يتصدرها "تفريغ النقابات المهنية من مضمونها" و"تفكيكها"، و"سجن الصحافيين" و"إبقاء سلطة الضابطة العدلية لاستدعاء الصحافيين"، فضلاً عن "غياب مرجعية قانونية للمحاكمة" في إشارة الى قانون المطبوعات. 

ويعد هذا التصعيد، أعنف موقف أصدره الصحافيون ضد قانون الإعلام الذي وُصف بـ"الخديعة الكبرى"، وقال مسؤولو النقابتين إن النسخة المعتمدة خرجت في "عجلة وتسرع"، ضاربةً بعرض الحائط كل التوافقات والتعهدات التي قُدمت سابقاً للمراجع النقابية، لتأتي "بمثابة إعدام مقنّع للحرية الصحافية".

تفكيك النقابتين وتفريغهما من دورهما

والقانون الصادر يوم الثلاثاء، يلغي حصرية العمل النقابي، ويحل "المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع"، وينص على إنشاء "الهيئة الوطنية للإعلام" كبديل من المجلس. فإلغاء الحصرية، يتمثل في إتاحته لـ"التعددية النقابية"، ما يعني أن كل مجموعة إعلاميين، تستطيع أن تنشئ نقابة خاصة بها، وهو ما يثير المخاوف من أن تنقسم الأجسام الإعلامية على أساس طائفي أو سياسي. 

وبعد عقود من إصرار القانون على أن يكون المدير المسؤول في وسائل الإعلام، مسجلاً في نقابة محرري الصحافة، يلغي القانون الصادر الثلاثاء هذا النص. ويُضاف ذلك إلى "تهميش النقابات" و"تفكيكها"، و"تفريغها من مضمونها"، حسبما تقول مصادر نقابية لـ"المدن". وأضافت أن القانون الحالي "يضرب دور النقابات في العمق، علماً أنها تأسست بمرسوم جمهوري قبل عقود". 

إضافة إلى ذلك، يثير القانون مخاوف النقابتين من استدعاء الصحافيين أمام الضابطة العدلية، وأمام قضاة التحقيق، بالنظر الى أن هذه النقطة، غير واضحة في القانون، إضافة الى إلغاء قانون المطبوعات الذي يحدد أطر محاكمة الصحافيين، وهو ما دفع النقابتين إلى مطالبة الرئيس عون بردّه.

 

خدعة نيابية

في المؤتمر الصحافي المشترك، ألقى الصحافي جورج سولاج كلمة رئيس نقابة الصحافة عوني الكعكي، المتواجد خارج البلاد حالياً، والتي حملت هجوماً صريحاً على الأداء النيابي.

وجاء في كلمة الكعكي أن إقرار القانون بصيغته الحالية يعتبر خديعة كبرى، خصوصاً أن التعديلات الأساسية التي قُدمت تمت مصادرتها وإهمالها. وأكدت الكلمة أن الإعلام ليس طرفاً هزيلاً يمكن تقليم أظافره أو إسكات صوته، كما أن الصحافة ليست تفصيلاً هامشياً يمكن تجاوزه في معركة بناء الدولة.

ونقل سولاج عن الكعكي موقفاً حازماً: "لقد خُدعنا من نواب الأمة، والمعركة بدأت وسنخوضها حتى النهاية دفاعاً عن العمل الصحافي والصحافيين والإعلاميين في لبنان". 

 

ثلاثاء أسود

ووضع نقيب المحررين جوزيف القصيفي، إقرار القانون، في إطار "الانقلاب التشريعي"، مجدداً، في تصريح لـ"المدن" على هامش المؤتمر، وصف يوم أمس بـ"الثلاثاء الأسود" وقال إن "المكتوب يُقرأ من عنوانه وهذا ثلاثاء أسود"، مؤكداً أن موقف وزير الإعلام كان لا يتمناه الإعلاميون، وهذا القانون الفاضح والمميت الذي يطعن مفهوم الحرية لا يستحق كلمة مبروك.

وكشف القصيفي خريطة الطريق لمسار المواجهة في المرحلة المقبلة، متضمنةً ثلاث نقاط مفصلية. أولها "مناشدة رئاسية"، تتمثل في "رفع نداء إلى رئيس الجمهورية لردّ القانون إلى المجلس النيابي وإعادة إخضاعه للنقاش". 

أما الخطوة الثانية، فتتمثل في الطعن فيه دستورياً عبر "إعداد ملف قانوني متكامل عبر محامي النقابات بالتعاون مع عدد من النواب لرفعه أمام المجلس الدستوري". 

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في "المواجهة الميدانية"، إذ جزم القصيفي: "لن نعترف بهذا القانون وسنحاسب من يستسهل التطاول على كرامة الإعلام والإعلاميين. إذا أردتم المواجهة فيا مرحباً بكم، نحن لها... شُلّت كل يد تمتد إلى الإعلام، ولن يرهبنا أحد وسنكمل طريق المواجهة، وليعلم النواب الذين صوتوا للقانون الجائر أنهم أساءوا التقدير". 

 

تدجين المهنة وإنهاؤها

وتوقف نائب نقيب المحررين غسان ريفي، عند نقاط عديدة تثير الشكوك والهواجس، فبالإضافة الى أن القانون "يضرب دور النقابات"، أعرب عن مخاوفه من تسمية مخالفات النشر بـ"جرائم النشر" أو "الجرائم الصحافية"، موضحاً أن هذه التسمية "يمكن أن تقود الصحافي إلى المحكمة الجزائية"، و"يمكن أن تؤدي أحكام الجزاء الى سجن الصحافيين". 

وقال ريفي لـ"المدن": "جرائم النشر سيف مسلط فوق رأس كل من ينتقد"، مضيفاً: "إذا رفع السياسيون دعاوى ضد صحافيين، يمكن للصحافيين أن يقضوا حياتهم من محكمة إلى أخرى". وتابع: "نحن متمسكون بمواجهة أي مادة يمكن أن تؤدي الى حبس الصحافيين، كما نتمسك بعدم مثول الصحافيين أمام أي جهاز أمني". وشدد على أن "المفروض أن يكون هناك إطار قانوني للمحاكمة، يتمثل في محكمة المطبوعات، أما الآن فباتت الإحالة الى قضاء الجزاء متوقعة، في حال ارتأى القاضي ذلك". ورأى أن القانون "يحول الصحافي إما إلى صامت، أو سجين، أو مُطبّل". 

وحول التصريحات النيابية والوزارية عن "تعديلات للمادة 104" التي تنص على سجن الصحافيين، سأل ريفي: "القانون مبتور، ويستوجب رده إلى اللجان النيابية لإعادة دراسته. نريد قانوناً يرتقي بالمهنة ويطورها، لا يدجنها أو يقتلها أو ينهيها". 

 

دعوات لمقاطعة النواب

ولم تقف حدود المؤتمر عند المنصة الرسمية؛ إذ سادت القاعة حالة من الغليان والاستياء البالغ بين الصحافيين الحاضرين الذين اعتبروا أن السلطة السياسية مارست نكثاً صريحاً بالوعود.

وعبّر عدد من الصحافيين عن امتعاضهم الشديد عبر اقتراحات تدعو إلى الذهاب نحو مقاطعة شاملة لتغطية نشاطات ومؤتمرات النواب الذين بادروا للتصويت على القانون والمادة 104 الملغومة.

المادة 104

وفي مقابل الغضب النقابي، رحبت منظمات حقوقية وتجمعات إعلامية موازية للنقابات، بالقانون، لكنها تحفظت على المادة 104. وقال إتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، في بيان، إن قانون الإعلام "تضمن إصلاحات أساسية طال انتظارها". وتابع: "لكن إقرار القانون لا يُنهي مسار الإصلاح: فالمادة 104، التي تجرّم تعمّد نشر الأخبار الكاذبة، ما زالت بحاجة ماسّة إلى التعديل، منعًا لإساءة استخدامها في ملاحقة الصحافيين أمام القضاء الجزائي، وبما يضمن حماية حرية الصحافة والتعبير". 

تحالف الحريات

وقال تحالف الدفاع عن حرية الرأي والتعبير في لبنان، في بيان، إن إقرار قانون الإعلام خطوة إصلاحية أساسية طال انتظارها، بما يتضمنه من مكتسبات مهمة على صعيد حماية حرية الإعلام، وتعزيز استقلالية الهيئة الوطنية للإعلام، والشفافية، وحماية الصحافيين ومصادرهم، وحرية إنشاء المؤسسات الإعلامية.
وفي الوقت نفسه، أسف التحالف للإبقاء على الفقرة (ب) من المادة 104 المتعلقة بتجريم نشر الأخبار الكاذبة، رغم الدعوات المتكررة لإلغائها، لما تطرحه من مخاطر نتيجة غموض مفهوم "الأخبار الكاذبة" وإمكانية استخدامه لتقييد حرية التعبير.

وتابع: من هذا المنطلق سيواصل التحالف العمل مع النواب والقوى المعنية بحرية التعبير من أجل تعديل الفقرة (ب) من المادة 104 وإلغاء تجريم نشر الأخبار الكاذبة، بما يعيد الانسجام بين أحكام القانون وجوهره الإصلاحي. 

وفي انتظار دخول القانون قيد التنفيذ، أكد تحالف حرية الرأي والتعبير في لبنان أهمية تفسير أحكامه وتطبيقها انطلاقاً من جوهر الإصلاح الذي قام عليه القانون منذ البداية، ومن إرادة المشرّع والأسباب الموجبة التي كرّست الانتقال من التجريم والعقوبات الجزائية إلى المسؤولية المدنية في قضايا النشر. 

وتابع: "من هذا المنطلق، يجب أن يُفسَّر أي غموض أو استثناء في النص بصورة ضيقة، وبما يحافظ على هذا التوجه الإصلاحي، وينسجم مع الدستور اللبناني والتزامات لبنان الدولية في حماية حرية التعبير". 

 

"سكايز"

بدوره، رحّب مركز الدفاع عن الحرّيات الإعلامية والثقافية "سكايز" (عيون سمير قصير) بإقرار القانون، ورأى أنه يُشكّل إطاراً إصلاحياً يمكن البناء عليه وتطويره. كما يؤكد أنه على الرغم من بقاء بعض الثغرات التي تتطلّب التوضيح أو التعديل، فإن إقرار نص متكامل كان أفضل من إدخال تعديلات مجتزأة وغير منسّقة على مواد متفرقة خلال الجلسة العامة. ومن الضروري جداً في المرحلة المقبلة التقدّم بمشروع قانون أو اقتراح قانون يرمي إلى تعديل هذه الثغرات ومعالجتها، وفي مقدّمها المادة 104 بصيغتها الحالية، لِما تتضمّنه من عبارات فضفاضة قد تفتح 
الباب أمام الضغط على الصحافيين وملاحقتهم وتقييد حرّية التعبير.
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث