لم يكن "حزب الله" يحتاج إلى أكثر من يمين إسرائيلي متطرف، لتثبيت سرديته، وتسويق خياراته، وتبرير رفضه لمسار التفاوض المباشر مع إسرائيل التي اختارت أن تتحدى الرئيس اللبناني جوزاف عون، وتتحدى واشنطن من خلفه، لإحباط أي مسار يؤدي الى حل مستدام لأزمة جنوب لبنان.
ومؤشرات هذا المسار الإسرائيلي المتشدد، لا تقتصر على الجانب العملي في أعمال التجريف والنسف والتفجير في جنوب لبنان، بل تنسحب على الأداء الإعلامي، لا سيما الخريطة التي نشرتها الخارجية الإسرائيلية، وتتضمن قضماً لجزء من جنوب لبنان.
تقليص مساحة لبنان
ونشرت الخارجية الإسرائيلية خريطة تتضمن بيانات عن سوء التغذية لدى الأطفال في المنطقة، لكن اللافت أنها تلاعبت بخريطة لبنان، إذ ضمّت مساحات من جنوب البلاد الى إسرائيل، وهي مناطق تحتلها إسرائيل واقعياً على الأرض، وأخرى تسيطر عليها نارياً، وأخرى في العمق تعكس نوايا إسرائيل لضمها، مما يعني تقليص المساحة الجغرافية للبنان.
أثارت الخريطة تنديداً واسعاً في لبنان. وفيما لم تصدر الخارجية اللبنانية أي بيان حول الخريطة، نُقل عن مصادرها أنها تحركت دبلوماسياً، مما دفع تل أبيب لحذفها من صفحتها الرسمية الناطقة باللغة الإنكليزية، من دون سحبها من الحساب الناطق بالعربية.
والحال أن الخريطة، تمثل جزءاً من أداء سياسي وأمني وإعلامي إسرائيلي، يقوّض المسار الدبلوماسي للدولة اللبنانية لجهة التفاوض المباشر مع تل أبيب، برعاية أميركية، بغرض تأمين انسحاب إسرائيلي من الجنوب، وانتشار الجيش اللبناني وتثبيت الاستقرار وإنجاز الدولة لتعهداتها بـ"حصرية السلاح" على كافة الاراضي اللبنانية واحتكار قراري السلم والحرب.
إسرائيل تتحدّى أميركا
وخلافاً لتعهدات أميركية، في الجولة السابعة من المفاوضات في روما، بالضغط على إسرائيل لوقف التفجيرات في المنطقة المحتلة في الجنوب، ووقف أعمال التجريف وتغيير المعالم المدنية في المنطقة، استأنف الجيش الإسرائيلي التفجيرات في المنطقة، وكذلك الأعمال العسكرية، مما يشير الى أن تل أبيب تتحدى الالتزامات الأميركية، وتقوّض التأكيدات الأميركية بأنه لا أطماع إسرائيلية في الأراضي اللبنانية.
كما تتحدى تل أبيب، الدولة اللبنانية الساعية الى حل الملف دبلوماسياً، وتطالب بتثبيت وقف إطلاق النار وتوسيع المناطق النموذجية وإعادة السكان الى القرى بعد الانسحاب الاسرائيلي ونشر الجيش اللبناني.
تهشيم المسار اللبناني
تمعن إسرائيل في تهشيم المساعي اللبنانية وإحراج الدولة. ففي مقابل المسار الدبلوماسي الذي تتبعه الدولة كخيار وحيد ممكن وبديل من الحرب، لا يكف المسؤولون الإسرائيليون عن التأكيد بأن أطماعهم في جنوب لبنان، قائمة، ويجري التسويق لها إعلامياً عبر التصريحات السياسية ووسائل الإعلام، وعبر خرائط رسمية يحملها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراء متطرفون آخرون، وميدانياً عبر تثبيت مواقع عسكرية وتغيير معالم القرى، وتسرب اليهود المتشددين من حركات الاستيطان، الى داخل الأراضي اللبنانية، وثم ملاحقتهم.
تعزيز سردية الحزب
تعزز تلك المسلكيات والتصريحات والتسريبات، سردية "حزب الله" حول الأطماع الإسرائيلية، وتقوي دليله لرفض المسار الدبلوماسي، بناءً على تجربة طويلة من إسرائيل، منذ مفاوضات خط الهدنة في العام 1949. وتفيد تلك التجارب بأكملها أن انتزاع الحقوق يتم إما بضغط دولي، مطلوب أميركياً في هذه المرحلة، وإما بالقوة، كما هو حال العام 2000.
أعاد الحزب تأكيد موقفه في البيان الذي أصدره الأحد، تنديداً بالخريطة وبالمسار اللبناني، بقوله إن ضم الجنوب الى خريطة الخارجية الإسرائيلية، "لا يقبل الشك لحقيقة أطماع العدو الإسرائيلي في لبنان وأرضه وثرواته ومقدراته والتي لم ولن يتخلى عنها، وأن دخوله في المفاوضات المباشرة مع السلطة اللبنانية ليس سوى محاولة مكشوفة لكسب الوقت وفرض وقائع جديدة على الأرض".




