رافي وهبة لـ"المدن": إنتاج استثنائي لتنفيذ "العاصي"

هيام بنوتالسبت 2026/08/08
رافي وهبي في مسلسل "بلا قيد" (فايسبوك)
رافي وهبي في مسلسل "بلا قيد" (فايسبوك)
حجم الخط
مشاركة عبر

يحظى مسلسل "العاصي" باهتمام كبير كأكثر الأعمال السورية المنتظرة، حيث يجمع بين استناده إلى رواية معروفة، ومشاركة نخبة من الأسماء البارزة في الكتابة والإخراج والتمثيل، إلى جانب إنتاجه الضخم.

 

وشارك الكاتب رافي وهبي في كتابة المسلسل إلى جانب نجيب نصير. وفي حديثه مع "المدن" رأى وهبي أن أسماء المشاركين في المشروع، سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو التمثيل، إضافة إلى انطلاقه من رواية معروفة، تشكل عناصر كافية لدفع الجمهور إلى الرهان على نجاحه. لكنه لا يخفي صعوبة تحويل رواية أدبية إلى عمل درامي، واصفاً هذه التجربة بأنها من أكثر التجارب تعقيداً في مسيرته، كونها المرة الأولى التي يتولى فيها إعداد وتأليف رواية سبق أن قرأها جمهور واسع، ما يضاعف حجم المسؤولية. 

 

وتزداد حساسية المشروع، في رأيه، لأن الرواية تتناول قضية السجون، وهي من أكثر الملفات تعقيداً، في ظل النقاشات الواسعة التي تشهدها المرحلة الراهنة حول الانتهاكات والقضايا المرتبطة بها، ما يفرض مقاربة درامية دقيقة ومتوازنة.

ويشارك وهبي أيضاً في بطولة المسلسل إلى جانب مجموعة من أبرز الممثلين، بينهم سلوم حداد، وبسام كوسا، وريم علي، ويارا صبري، وأندريه سكاف، ويطل بشخصية يراها مختلفة عن الصورة التي اعتاد الجمهور مشاهدته بها. ويمثل "العاصي" محطة خاصة في مسيرة وهبي، حيث يعيده إلى التعاون مع المخرج الليث حجو بعد انقطاع امتد نحو 14 عاماً، وتكتسب العودة أهمية مضاعفة بالنسبة إليه، لأن المشروع ينتمي إلى الأعمال الاجتماعية والإنسانية ذات الخلفية السياسية، ويتابع تحولات تمتد على نحو أربعين عاماً، في إطار درامي يتقاطع مع محطات سياسية واجتماعية عاشها السوريون.

 

ولا يقتصر حضور وهبي في المشروع على إدخال تعديلات على الموسم الأول، بل يشمل كذلك كتابة الموسمين الثاني والثالث. وفي الأساس كانت مهمته تنحصر في كتابة الجزء الثاني، إلا أن طبيعة المشروع فرضت مشاركته منذ البداية، بما يضمن الترابط بين المواسم الثلاثة. كما أن تقسيم العمل إلى ثلاثة أجزاء، يتألف كل منها من عشر حلقات، استوجب الحفاظ على استمرارية الشخصيات، وربط التحولات الدرامية بين بداية الحكاية ونهايتها، بحيث تأتي المعالجة منسجمة على امتداد المواسم كافة. وأكد وهبي أن الشراكة قامت على توافق كامل مع الكاتب نجيب نصير، من دون أي خلافات، انطلاقاً من رؤية مشتركة جمعت الطرفين مع المخرج، خصوصاً أن الجميع يعمل على مصدر روائي واحد، ما فرض توحيد الرؤية الدرامية في مختلف مراحل الكتابة.

واحتاج "العاصي" إلى إمكانات إنتاجية استثنائية، إذ تمتد أحداثه على مدى يقارب أربعين عاماً، وتتوزع بين أربع أو خمس محافظات سورية، من الساحل إلى حلب ودمشق، ما يفرض تنفيذاً إنتاجياً واسعاً على مستوى مواقع التصوير والديكورات. ولا تقتصر أهمية المشروع، في نظره، على حجمه الإنتاجي، بل تشمل أيضاً إيمان شركة "ميتافورا" بالقضية التي يطرحها والمرحلة التي يتناولها، في وقت أصبحت فيه الأعمال التي تحظى بهذا المستوى من الإنتاج نادرة في الدراما السورية خلال السنوات الأخيرة.

 

ولا ينظر وهبي إلى تراجع الدراما السورية بوصفه أزمة فنية منفصلة عن واقع البلاد، بل يربطه مباشرة بالظروف السياسية والأمنية والاجتماعية التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية. فالمناخ الذي ساد آنذاك، برأيه، لم يكن يسمح بالحفاظ على المكانة التي حققتها الدراما السورية، في ظل الرقابة المشددة، وتعقيدات المشهد العام، وانشغال معظم العاملين في الوسط الفني بالبحث عن فرصة عمل أكثر من انشغالهم بطبيعة الأعمال التي يقدمونها، ما انعكس بصورة مباشرة على مستوى الإنتاج. 

واستعاد وهبي هوية الدراما السورية التي اعتاد الجمهور معرفتها، بوصفها "دراما احتجاج" تعبر بصورة غير مباشرة، عن المجتمع والسلطة والعادات والتقاليد، وتستمد قوتها من صلتها الوثيقة بالشارع السوري. إلا أن هذه العلاقة، تعرضت خلال السنوات الماضية إلى حالة من التفكك، نتيجة التحولات التي أصابت الواقع السوري، إلى جانب الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية التي عاشها الفنانون وصناع الدراما داخل البلاد، ما فرض قيوداً كبيرة على طبيعة الموضوعات المطروحة وأساليب معالجتها. 

 

وأضاف وهبي أن تداعيات تلك المرحلة لم تتوقف عند حدود الرقابة، بل امتدت إلى خسارة الدراما السورية جانباً كبيراً من كوادرها، بعدما غادر عدد كبير من الممثلين والمخرجين والكتاب البلاد، واتجهوا إلى الدراما المشتركة أو إلى أسواق عربية أخرى، وفي مقدمتها مصر، ما أدى إلى تراجع حجم الإنتاج، وفقدان الساحة السورية عدداً من أبرز الأسماء التي أسهمت في صناعة ازدهارها. وهو لا يتوقع أن تستعيد الدراما السورية عافيتها في وقت قصير، حيث يحتاج هذا المسار إلى سنوات حتى تستعيد مكانتها ودورها الحقيقي، بعد مرحلة طويلة تركت آثاراً عميقة في مسيرتها.

ولا يخفي وهبي قلقه من الموجة التي ظهرت عقب سقوط النظام، والمتمثلة في كثرة الأعمال التي تتناول ملفات المعتقلين واللاجئين والانتهاكات. ورغم أن هذه القضايا تمثل بالنسبة إليه جزءاً أصيلاً من الواقع السوري، لكنها تحتاج إلى مقاربة واعية وعميقة، بعيداً من الاستجابة السريعة لمتطلبات السوق، كما يخشى أن تتحول هذه الملفات إلى مجرد موضة درامية، يسارع الجميع إلى استثمارها من دون امتلاك قراءة حقيقية لعمقها الإنساني والوطني، بما قد ينعكس سلباً على قيمتها الفنية والإنسانية. 

 

واستشهد وهبي بالموسم الماضي، الذي شهد اندفاعاً ملحوظاً نحو إنتاج أعمال تتناول هذه الموضوعات مباشرة بعد سقوط النظام، في مشهد بدا وكأن السوق بات يفرض هذا النوع من الإنتاج، ما يستدعي برأيه قدراً كبيراً من الحذر، بعيداً من الاستعجال أو الاستغلال. ومن هذا المنطلق، حرص فريق "العاصي" على ألا تتحول السياسة إلى محور الحكاية، بل أن يكون الإنسان وقضاياه اليومية في صدارة العمل، مع المحافظة في الوقت نفسه على الجانب الترفيهي الذي يحتاج إليه الجمهور. فالدراما، كما يراها، مطالبة بتقديم رسائلها، لكن من دون أن تفقد قدرتها على الإمتاع وجذب المشاهد.

ويعتقد وهبي أن معظم الدراما العربية تعيش تحولات مشابهة، أبرزها تراجع حضور النص لمصلحة الأعمال التي تقوم على شعبية النجم، أو قدرتها على تحقيق الانتشار في مواقع التواصل الاجتماعي على حساب القيمة الفنية، ويعيد جانباً من هذه الأزمة إلى الفهم السائد لمفهوم الترفيه، بعدما جرى اختزاله خلال السنوات الماضية في الأعمال السطحية، بينما أثبتت الدراما السورية، عبر تاريخها، قدرتها على الجمع بين الرسالة والمتعة، من دون التفريط باحترام عقل المشاهد وثقافته ووعيه.  وأشار وهبي إلى أن الأعمال السورية التي صنعت مجد الدراما كانت تحمل مضموناً واضحاً، وتناقش قضايا المجتمع، وفي الوقت نفسه تحقق جماهيرية واسعة، لأن الجمهور كان يجد فيها حكايات حقيقية وشخصيات قريبة من حياته، وليس لأنها تعتمد على الإثارة وحدها. 

 

وفي سياق أوسع، ربط وهبي التراجع الثقافي والفني الذي تشهده المنطقة العربية، بالانقسامات السياسية والاجتماعية السائدة، معتبراً أن ازدهار الفن يحتاج إلى بيئة مستقرة ومجتمع يمتلك مشروعاً واضحاً، فيما يصعب إنتاج أعمال رفيعة المستوى في ظل الحروب والفقر والانقسام والظلم.

ولا ينكر وهبي أن الشراكة بين المنتجين السوريين واللبنانيين أسهمت في الحفاظ على استمرارية عمل الكوادر السورية خلال السنوات الماضية، لكنه ربط التجربة بجملة من السلبيات التي برزت مع مرور الوقت، بعدما تقدمت الاعتبارات التسويقية في أحيان كثيرة على القيمة الفنية ورسائل الأعمال، موضحاً أن النجم تحول إلى الواجهة الأساسية في عملية التسويق، ما منحه صلاحيات تجاوزت حدود اختصاصه، لتشمل النص والإخراج والإنتاج. 

 

ويعزو وهبي جانباً من هذه التحولات إلى الضغوط المادية والمعنوية التي عاشها العاملون في الوسط الفني، والتي دفعت كثيرين إلى تقديم تنازلات لم يكونوا مقتنعين بها، ليس عن قناعة، وإنما بدافع الحاجة إلى العمل والاستمرار في ظل ظروف إنتاجية صعبة. وأفرزت تلك المرحلة برأيه، حالة من التشوش الفني، وأضعفت المعايير التي كانت تحكم صناعة الدراما، فتراجع السؤال المتعلق بسبب إنتاج العمل أو القضية التي يعالجها أمام اعتبارات السوق والتسويق. 

إلى ذلك، انتقد وهبي بعض الأعمال التي سعت خلال السنوات الماضية، إلى تبرير القمع والاستبداد عبر تقديم صورة مشوهة عن المجتمع السوري، وعزا ذلك إلى الضغوط الأمنية والرقابية التي فرضت على صناع الدراما، وأجبرتهم في كثير من الأحيان على تقديم روايات تتوافق مع خطاب السلطة.

 

واستعاد وهبي زيارته الأخيرة إلى دمشق بعد غياب امتد 13 عاماً، وهي زيارة أتاحت له ملامسة حجم التحولات التي شهدها المجتمع السوري، وعززت قناعته بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى وقت حتى تستقر ملامحها، مضيفاً أن الانقسام الذي يعيشه السوريون اليوم، حتى على مستوى مفهوم الهوية الوطنية، ستكون له انعكاسات واضحة على الإنتاج الثقافي والفني، لذلك يفضل الحديث عن العزيمة والإرادة بدلاً من الإفراط في التفاؤل، لأن الظروف هي التي ستحدد في النهاية قدرة الفنانين على أداء مسؤوليتهم.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث