قالت الممثلة السورية يارا صبري أن مسلسل العاصي الذي أنتجته شركة "ميتافورا" وانتهى تصويره مؤخراً، ليس مجرد عمل درامي جديد، بل يمثل عودتها الفعلية إلى الدراما بعد سنوات من الغياب، مختصراً رؤيتها الفنية لاختيار الأدوار القيمة.
وأوضحت صبري في حديث مع "المدن" أن مشاركتها في "العاصي" تعني لها الكثير، لأنه مأخوذ عن رواية "السوريون الأعداء" للكاتب فواز حداد وتغطي مرحلة زمنية بالغة الأهمية من تاريخ سوريا، معتبرة أن تحويلها إلى عمل درامي يعد خطوة مهمة بحد ذاتها، مضيفة أن المشروع لم يكن وليد اللحظة، بل جرى الحديث عنه منذ سنوات طويلة، وكان مطروحاً في البداية كفيلم سينمائي قبل أن يتحول إلى مسلسل. ورأت أن قيمة العمل لا تكمن في الرواية فقط، بل أيضاً في وجود المخرج الليث حجو والإمكانات الإنتاجية التي وفرتها شركة "ميتافورا" لإنجاز العمل بأفضل صورة ممكنة.
وكشفت صبري أن المسلسل يقوم على ثلاث مراحل زمنية، تمتد كل منها على عشر حلقات، فيما تغطي شخصيتها المرحلة الأولى وجزءاً من الثانية. وأوضحت أن الشخصية، رغم أنها ليست جديدة عليها، تشكل محوراً أساسياً في الأحداث، إذ تؤدي دور امرأة من قرية بسيطة ترتبط بالبطل الذي يجسده وسام رضا، قبل أن يتولى بسام كوسا تجسيد الشخصية في المراحل اللاحقة. وأضافت أن شخصيتها تمثل العقدة الأساسية في حياة البطل، لكنها فضلت عدم الكشف عن تفاصيلها حفاظاً على عنصر التشويق. كما أشارت إلى أن حجو ناقش معها أكثر من شخصية قبل أن يستقر على هذا الدور، مؤكدة أن أهمية مشاركتها في العمل لا ترتبط بمساحة الدور، بل بقيمته.
وأوضحت صبري أن الرغبة الأولى كانت إنجاز المسلسل ليعرض في رمضان الماضي، لكن ضخامة المشروع وما يتطلبه من تحضيرات، حالت دون ذلك. وأضافت أن الشركة المنتجة والمخرج فضّلا تأجيل عرضه حتى يخرج بأفضل صورة ممكنة، لأن العمل يحتاج إلى وقت كاف لاستكمال جميع عناصره الفنية، مؤكدة أن الدراما ليست منتجاً يطرح بسرعة في السوق، بل عملاً يحتاج إلى عناية وصبر. وأعربت عن أملها في أن يحقق "العاصي" الأثر الذي تستحقه الرواية، وأن يشكل إضافة مهمة إلى الدراما السورية من خلال تناوله مرحلة تاريخية لم يسبق تقديمها درامياً.
وتحدثت صبري عن فترة غيابها، واصفة إياها بالطويلة، حيث لم تقدم سوى عملين أو ثلاثة أعمال على مدى أربعة عشر عاماً، قبل أن تمنعها ظروف السفر وعدم قدرتها على التنقل بسبب جواز سفرها من الاستمرار في العمل. وأوضحت أن ابتعادها الطويل جعلها تعود إلى صناعة مختلفة تماماً، بعدما تبدلت آليات النقد، وبرز تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير المناخ الفني بأكمله. وأضافت أن العودة لم تكن سهلة، لذلك رفضت التسرع أو الظهور بأي ثمن، واختارت التريث وانتقاء الأعمال التي تنسجم مع تاريخها الفني، بعيداً من الشروط التي لا تقتنع بها. وفيما تلقت خلال رمضان الماضي عدداً كبيراً من العروض، فإنها فضلت تأجيل العودة حتى تجد الأعمال التي تراها مناسبة لها وللجمهور.
وفي حديثها عن مفهوم النجومية، رأت صبري أن معاييرها تغيرت بصورة كبيرة، فالنجم ليس بالضرورة ممثلاً جيداً، كما أن الممثل الجيد ليس بالضرورة نجماً. وأوضحت أن صناعة النجوم أصبحت مرتبطة بمتطلبات السوق وآليات التسويق، فيما باتت السوشال ميديا عنصراً أساسياً في هذه الصناعة، حيث يمكن أن تصنع نجماً قادراً على جذب الجمهور وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة. ورأت أن النجاح التجاري أصبح أحياناً أهم من الموهبة بالنسبة إلى بعض الجهات المنتجة، في حين تختلف المعايير التي صنعت نجوم الأجيال السابقة، الذين رسخوا مكانتهم بفضل تاريخهم الفني، عن تلك التي تصنع نجوم اليوم.
وأكملت صبري أن الدراما السورية مازالت تعيش معادلة صعبة بين الكم والنوع، معتبرة أن الظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية أثرت مباشرة في حجم الإنتاج ونوعية الأعمال، بعدما أصبحت الاعتبارات التسويقية تتحكم إلى حد كبير في الموضوعات المنتجة، مع تراجع فرص تسويق الأعمال السورية المحلية وتبدل متطلبات المحطات العربية. وأضافت أن المنتج السوري، شأنه شأن أي منتج عربي، يحتاج إلى تسويق أعماله واسترداد تكاليفها، ما يجعل السوق عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة المشاريع التي ترى النور.
وأضافت صبري أن العاملين في الوسط الفني طالبوا منذ سنوات بسوق محلية قوية تتيح إنتاج أعمال تتناول المجتمع السوري وهمومه بحرية أكبر، معتبرة أن ازدهار الدراما السورية في الماضي ارتبط بوجود شركات إنتاج عديدة وظروف مختلفة عما تعيشه الصناعة اليوم. وأوضحت أن الظروف السياسية والإقليمية تفرض في أحيان كثيرة شروطاً على المنتجين، ما ينعكس مباشرة على طبيعة الأعمال، فيما يبقى الممثل جزءاً من منظومة لا يستطيع التحكم بجميع عناصرها.
وانتقدت صبري اعتماد بعض المنتجين والمحطات على مؤشرات السوشال ميديا في تقييم الفنانين والأعمال، معتبرة أن جمهور المنصات يهتم غالباً بالترند أكثر من القيمة الفنية، ما يدفع بعض الفنانين إلى مسايرة هذه المعايير حفاظاً على حضورهم، مضيفة أنها مازالت ترفض المشاركة في أي عمل لا تقتنع به، حتى وإن اضطرت أحياناً إلى القبول بالحد الأدنى من الشروط الفنية التي تؤمن بها، لأن الواقع الحالي لا يمنح الفنان دائماً حرية الاختيار الكاملة.
وتمنت صبري أن تحمل لقب "الجوكر"، لأن هذا اللقب يمثل أقصى طموح لأي ممثل، كونه يعني القدرة على تجسيد مختلف الشخصيات والأنماط والأدوار. وأضافت: "إذا كان هناك من يراني جوكر بهذه الطريقة، فهذا ما أطمح إليه بالفعل". وأوضحت أن هذا المفهوم هو ما جعلها تحب التمثيل منذ البداية، لأنه يتيح للممثل البحث في تفاصيل كل شخصية، من تاريخها وظروفها ودوافعها إلى عالمها الداخلي، معتبرة أن الوصول إلى هذه المرحلة هو أعظم ما يمكن أن يحققه الممثل.
وأشارت صبري، التي تعمل في الفن منذ أكثر من 32 عاماً، إلى أنها عاصرت مراحل مختلفة من تطور الدراما، بدءاً من الأعمال القصيرة وصولاً إلى الأعمال الطويلة. وأكدت أنها تفضل ألا يتضمن أي عمل أحداثاً مقحمة لمجرد إطالته، لكن السوق هو الذي يفرض في النهاية عدد الحلقات. وأوضحت أنه قبل ظهور المحطات الفضائية والمنصات، كان الكاتب يكتب العمل وفق متطلباته الفنية، سواء كان ثلاثية أو خماسية أو غير ذلك، لكن مع ترسخ الموسم الرمضاني أصبح إنتاج ثلاثين حلقة هو القاعدة، قبل أن يفرض السوق لاحقاً أعمالاً من ستين وخمس وأربعين حلقة. ورأت أن المشكلة لا تكمن في عدد الحلقات بحد ذاته، بل في قدرة العمل على الحفاظ على حبكته وإيقاعه، لأن أي ترهل يكون غالباً نتيجة متطلبات السوق لا الضرورات الفنية.
ورغم أنها تفضل الأعمال القصيرة لأنها أكثر كثافة، أكدت صبري أن عدد الحلقات يجب أن يتناسب مع الفكرة والموضوع والشخصيات والإيقاع، فبعض الأعمال يكفيه عدد محدود من الحلقات، فيما تحتمل أعمال أخرى ثلاثين أو حتى تسعين حلقة، بينما تعاني أعمال من إطالة غير مبررة. وأشارت إلى تجربة الدراما المعربة، موضحة أن معظمها مقتبس من أعمال كورية أو أميركية أو إسبانية، فيما تعتمد بعض الشركات أسلوب إنتاج الحلقات تباعاً وفق تفاعل الجمهور، فتواصل العمل إذا حقق نجاحاً، أو تنهيه بسرعة إذا تراجعت المشاهدات، معتبرة أن ذلك يعكس هيمنة السوق على القرارات الفنية.




