"حزب الله" يستلهم بري وجنبلاط.. بحثاً عن ظهير في دمشق

نور الهاشمالأربعاء 2026/08/05
000_QX8UO-e1501015396606-640x400.jpg
مقاتل من "حزب الله" يحمل علمي لبنان والحزب في جرود عرسال خلال مرحلة الحرب السورية (أرشيف)
حجم الخط
مشاركة عبر

طرفان استفزهما تصريح أمين عام "حزب الله" نعيم قاسم، بإعلانه أنه "لا يوجد أي مانع من اللقاء العلني بين (حزب الله) والقيادة السورية في الوقت الذي يكون مناسباً بتقدير الطرفين". 

الطرف الأول، هو اللبنانيون الذين وجدوا أن استعداداً من هذا النوع، من دون مصالحة مع الماضي واعتذار من الشعب السوري ومن بيئته التي ورطها في الحرب السورية، بمثابة قفز في الأوهام.. أما الطرف الثاني فيتمثل في السوريين، أولئك الذين قالوا في منشورات في مواقع التواصل، إنهم لم ينسوا بعد ممارسات الحزب وتدخله في الحرب السورية، والمشاركة في قتلهم الى جانب النظام المخلوع.

والحال أن الطرفين، محقان في مقاربتهما. ليس المطلوب أن يقيس الناس أوجاعهم، على مقياس التحولات الاقليمية.. وليس المطلوب منهم أن يفكروا بالتموضعات وضرورات السياسة ولوثتها. لكن إعلان قاسم عن انفتاح على القيادة السورية، بصرف النظر عما إذا كان التصريح مطلوب منه، كما كان مطلوباً منه إيرانياً الإعلان عن الانفتاح على القيادة السعودية قبل عام بالتمام، يُقرأ من خلفياته السياسية، التي يفترض أن الناس المتألمة والموجوعة من إرث الأسد وحلفائه، لا تعيرها أي اهتمام، ولا تمنحها أي تبرير. 

 

مهادنة ثم انفتاح

والحزب، في هذا الإعلان، يتوّج مسيرة أشهر من المهادنة مع دمشق، بعد عقد من العداوة والصراع. سوريا، بالنسبة له، تمثل عمقاً عربياً وإسلامياً لا يمكن القفز فوقه، ولا بديل عنه في ظل العداوة مع إسرائيل. أما الدولة الجديدة في دمشق، فتمثل هذا العمق، وليست في محور نقيض له. هي المعبر الإلزامي باتجاه العالم العربي والإسلامي، من تركيا الى السعودية وباكستان. وهي الظهير الإسترايتيجي للحزب، كما للدولة اللبنانية التي تناضل، على حافة السكين، لعدم حسم خيارها بين مشروعين يتصادمان في المنطقة بالمعنى الاقتصادي والجيوسياسي: المشروع الإسرائيلي الساعي لوراثة النفوذ الإيراني، والمشروع المنافس له الذي يمثله العالمين العربي والإسلامي. 

 

خيار بري وجنبلاط 

وتبدو خيارات الحزب ضيقة جداً، وتضيق أكثر في ظل تنافر حاد مع الدولة اللبنانية، بلغ مرحلة الصدام السياسي والقطيعة الرسمية. يشبه الى حد كبير، ضيق خيارات "حركة أمل" و"الحزب التقدمي الإشتراكي" في العام 1983، إثر التصادم مع الدولة اللبنانية برائسة الرئيس الأسبق أمين الجميل، على خلفية توقيعها اتفاق 17 أيار. كانت سوريا، بالنسبة لزعيمي الحزبين آنذاك، نبيه بري ووليد جنبلاط، الظهير السياسي، ولا حقاً العسكري، إثر العزلة الداخلية. 

يستلهم "حزب الله" اليوم الحقبة نفسها، والخيار نفسه. ففي حين بدا من تصريح قاسم أن العلاقة مع الحُكم في لبنان، وصلت الى طريق مسدود، على خلفية خيار لبنان بالتفاوض مع إسرائيل الذي يراه الحزب "معاوناً لإسرائيل"، واتهامه لرئيس الجمهورية جوزاف عون بأنه "أصبح طرفاً"، يبحث الحزب عن ظهير اقليمي قريب منه، جغرافياً، ويتقاطع معه في السياسة، فحاول فتح نافذة مع القيادة السورية، مستفيداً من تصريح هادئ أدلى به وزير الخارجية أسعد سيباني، خلال زيارته الأخيرة الى بيروت.

 

لكن، هل ترحّب القيادة السورية بهذا الانفتاح؟ وكيف ستتعامل معه؟ 

مضت أربع وعشرين ساعة على التصريح، ولم يصدر أي موقف عن القيادة السورية. تجاهلته إعلامياً، كما تجاهلت السعودية في وقت سابق مبادرة قاسم الانفتاحية على الرياض. فمبادرة من هذا النوع، لن تتعامل معها دمشق بترحيب ولا برفض سريعين، وذلك يعود الى أن أرض المنطقة لم تستقر بعد زلزال 7 أكتوبر 2023 وما تلاه، ولأن العلاقات السورية مع الولايات المتحدة والعمق العربي والإسلامي، لم تسمح بعد بتحديد خيارات تجاه "حزب الله".. فضلاً عن أن إرث الماضي والضغط الداخلي لا يدفعان لتلقف، تماماً كما أن التغوّل الإسرائيلي في الإقليم لا يسمح بصدّ نوافذ نعيم قاسم. 

 

اختبار جديد مع دمشق

وليس هذا التريّث، أول اختبار لعلاقة "حزب الله" مع سوريا. العودة الى علاقة الحزب مع نظام حافظ الأسد، تكشف أنها انتقلت من التوتر في مطلع الثمانينيات، الى الصدام في 1987، والحذر في 1990، والحصار بين 1991 و1995،  وتطورت الى تنسيق براغماتي في 1996، قبل أن تنتهي بتحالف استراتيجي منذ وصول بشار الأسد الى السلطة في العام 2000. 

ولم يكن هذا التحول نتيجة تقارب أيديولوجي. فالطرفان، العلماني المنفتح على العرب، والديني الموالي لايران، لم يكن يجمعهما مسجد، بل حسابات سياسية وأمنية فرضتها الظروف الاقليمية، والصراع العربي الإسرائيلي في مرحلة لاحقة. 

خلال فترة الحذر، لم تدفع براغماتية الأسد، سوريا، الى حملة قضاء على الحزب الوليد، بل تركت له مساحة ليحجز مكانه في لبنان، قبل أن تستفيد منه لاحقاً إثر انهيار مسار مدريد للسلام. 

يراهن الحزب اليوم على تطورات المنطقة، مدفوعاً بالتحولات الكبرى، والعجز الاقليمي (والأوروبي أيضاً) عن صد الطموحات الإسرائيلية. حاول فتح نافذة، وأبقاها مشرعة، على قاعدة "أنا موجود".. بانتظار أن يحين الوقت "الذي يكون مناسباً بتقدير الطرفين"، حسب تصريح نعيم قاسم. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث