وردت هذه الجملة في نصّ شهير لبورخيس، نُشر للمرّة الأولى في العام 1952. عندما قرأتُها كملاحظة في كتاب ألبرتو مانغويل، "مع بورخيس"، استفزّت فيّ شيئًا ما: "كل كاتبٍ يخلق أسلافه".
إنّه مجدّدًا مخاض الكتابة الشّاقّ، بل الأشقّ، المحنة المستمرّة واللّجوجة، كشيء محجوب، مستتر، يشقّ باستماتة طريقه نحو أعلى الجبهة، استكمالًا للصّنعة الأجلّ، الكتابة والتّأليف، الحوار الممتدّ منذ آلاف السّنين، والذي لن ينتهي، إلّا إذا تمكّن الذّكاء الاصطناعيّ منّا، بتحويل الأفكار المحبوسة هناك، أعلى الجبهة، إلى كلمات لا صفة لها سوى أنّها كلمات.
"كلّ كاتبٍ يخلق أسلافه". أتساءل عن أسلافي، وإن كان بإمكاني فعلًا، وأنا أكتب الآن، تعداد بضعهم.
أفكّر منذ فترة في الأسلاف، وخصوصًا بعد وفاة جدّتي لوالدتي، جمال، منذ أشهر قليلة. بل بتّ، وعلى سبيل "العزاء"، أتأمّل الفكرة بصورة يوميّة. صار النّظر في المرآة أشبه بلعبة استذكار للتّفاصيل التي قد تبدو مرشّحة لتكون وليدة الأسلاف، أو تَرِكَتهم. مَن مِن أسلافي امتلك عينين رماديّتين؟ ومَن أورثني هذه القامة القصيرة؟ والأهمّ من هذا كله، مَن أورثني هذا الشّكّ والسّأم العظيمَين؟ هذا الولع غير المبرّر، وهذه الطّاقة الغرائبيّة؟
إنّه لشأن عظيم أن يُمضي الإنسان سحابة نهاره بالتّساؤل المنتفي من الجدوى، أن يعيش في دهاليز ما يعقله وما لا يعقله، أن يمضي حاضره في ماضيه الذي لا يعرف عنه شيئًا، لا بالتّخيّل ولا بالتّذكّر.
هذا الانشغال الباطنيّ الذي لا يكلّ، عن متابعة الحوار والذاكرة الّتي بدأت قبل آلاف السّنين، بجهد تخيّليّ مضنٍ، لإحياء الماضي.
منذ أيّام أتممتُ 23 سنة. لعمري، بدت سنواتي أطول من ذلك.
***
الخيارة التي كنت أقضمها عفنة. في طرفها السفليّ ابيضاضٌ ناجمٌ عن تراكم الفطريّات. رغم ذلك، بقيت الخيارة ذات لونٍ أخضر يانع، ورائحةٍ طازجة.
"لا شكّ أنّ السيستم معطوب"، أقول مُعزّيةً نفسي، لأقنعها بأنّ الخيارة الّتي قضمتها توًّا صالحةٌ للأكل حتمًا، في بُعدٍ منفصل، في بُعدٍ كانت فيه هذه الخيارة في طور التشكّل، في طور النموّ، غير مقطوفة، شهيّةً كخيارةٍ بِكر لم تلمسها سوى التربة. كما كنتُ أنا، في بُعدٍ آخر، منفصل، في أحشاء أمّي، أندفع نحو العالم، أو فكرةً مرّت في خاطرها وهي طفلة، كإبنتي التي لن ألدها.
أين هذا الجزء البديع الذي كان يشقّ طريقه فيّ لأكون أنا نفسي جزءاً من العالم، أذرف الدموع على خيارة؟ مَن يبكي على خيارة؟
يبدو أنّ الأشياء التي لا يمكن تفسيرها هي أسلوبٌ تشغيليّ لهذه الحياة modus operandi.
فكّرت: كيف يعيش العالم بهذه الحيويّة الشديدة؟ بهذا العيش الغزير، الحميم، المُدبّر؟ بهذه التلقائيّة المُفرطة، وبهذا التوقّع بأنّ هناك شيئًا مُخبّأ -هو الأفضل غالبًا- وسيكون في انتظارك عند الخيط الذي لم يُكرّ بعد من بَكَرة الزمن؟ ىوالأدهى: كيف يمكن أن تُسلّم جدلًا بمطلق شيء؟
في مقدوري، طبعًا، تعداد إنجازاتي الصغيرة والكبيرة، ورواية الأحداث والنوادر التي عشتها، وأن أغضب من كلّ شيءٍ أزعجني ويُزعجني، وأن أثرثر عنه ساعاتٍ طويلة، بل وأن أصف كلّ الأشياء التي شاهدتها، وأبدي الرغبة البلهاء في الأشياء التي أريد أن أنالها بذريعة "الإرادة الحرّة". لكن هل لذلك أيّ جدوى؟ أن أفكّر بما توارى حتمًا؟ أو بما هو مؤهّلٌ لأن يتوارى؟
حتّى تلك الأفكار "الخارقة" في لحظة حماس، لحظة اندفاعٍ أخرق، كانت في داخلك، في أعلى جبهتك، حيث تتحرّك تلك الأعصاب الهزيلة -التي قد تتوقّف لأيّ سببٍ- والتي دوّنتها في تلك الصفحة المليئة بالهذر والكلمات المتفرّقة في دفترك، لا تتذكّر سياقها، وقد انسابت إلى بحرٍ من الفراغ الفكريّ، توارت.
يُخيّل إليّ، وأنا في أكثر اللحظات اندفاعًا نحو الكتابة، أنّ ما سأكتبه سيكون عظيمًا، في أقلّ تقدير. ثمّ ما هذا الدافع "المُتشيطن" الصبيانيّ في داخلي نحو الكتابة، إنْ لم يكن حدسًا ستنبلج منه أيّما عظَمةٍ كتابيّة؟ لكنّي أدرك أنّ في ذلك شيئًا من الهراء. بيد أنّ موهبتي المزعومة، في الكتابة حصرًا، هي في أفضل الأحوال، جينيّة، وقد تكون متوارثة كعطبٍ يصعب الفكاك منه.
ورغم أنّ الأفكار في رأسي باتت كأسماكٍ محشورةٍ في شبكة، تتلاطم حتّى تخرج إحداها نحو العمق المرجوّ، إلا أني أحاول... رغم أنّ النتائج التي حصدتها من وراء محاولاتي الكتابيّة/الشعريّة ليست مُرضِية، خصوصاً إذ أجد نفسي عاجزةً، حتّى اللحظة، عن استقدام أيّ فكرةٍ أصيلة، رغم أنّها موجودةٌ ولمّاعةٌ في رأسي على نحوٍ لا يمكن تجاهله.
انظري، الفستان الذي دُهِشتِ حين رأيتِه معلّقًا في واجهة المحلّ، توارى في قعر الخزانة التي ربما تُقصف في أيّ لحظة. المبنى الجميل الذي افتُتنتِ به، كان صندوق خردةٍ إسمنتيًّا، تنبعث منه رائحةٌ نفّاذة من الصرف الصحّي غير المُعالج، وشيخوخة الإسمنت، والدمار العتيد. كلّ لحظات البهجة اللحظيّة، والرغبة في الحياة، والفَلاح في النجاح مرّةً ثانية، توارت في الضباب اللصيق برأسكِ، المندفع نحو عينيكِ، والذي يُعميكِ عن رؤية أيّ جدوى. لو فكّر الجميع بهذه الطريقة العبثيّة لانتهت البشريّة، أعلم. لكنّي لا آبه.
أنتِ تعلمين أنّ هناك شيئاً مُخبّأً لك. نيويورك التي حلمتِ بها، أنتِ هناك في تلك الدائرة الزمنيّة المشوشة، تأكلين الـbagles في سنترال بارك.
***
يهبط المصعد إلى الطبقة الأرضيّة. أخرج منه مسرعةً، مهرولةً نحو الباب، لأُخرج سيجارةً وأتنفّسها. القدم الأخرى أمام الأولى، والقدم الأولى أمام الأخرى.
أتحرّك. وأتنفّس ما يهبني الهواء من أوكسجين، وما تهبني إيّاه هذه السيجارة.
أواصل التفكير: شوارع المدينة قائمة، المقاهي قائمة، الأشجار، الحانات، القطط الشقيّة، حاويات النفايات، الكتّاب والمثقّفون، وحتّى تلك الصبيّة بقيافتها وهندامها المرتّب، الهيفاء بطولها الفارع، والذي أحسدها عليه طبعًا... قائمةٌ هي أيضًا. وقد سبقتها أجيالٌ وأجيال من النساء الهيفاوات، الشهيّات، فارعات القدّ، الأنيقات، بهالةٍ جماليّةٍ فاتنة. بكلّ سينيكيّة، أقع في وهم الحواس.
كما كان البشر منذ البدء: في أبديّةٍ من الجلبة.
إنّ العالم هكذا: مأهولٌ بأشخاصٍ متشكّكين، ابتُلوا بمرض إنكار ذواتهم؛ هذا السأم والشكّ في ما قد يفعلونه، وفي جدوى ما يفعلونه في المرتبة الأولى. وقد تربّص بي هذا الشكّ، ولازمني كحيوانٍ خرافيّ أينما ولّيت وجهي. وقد استطاع، بلا ريب، أن يفترس كلّ عمليّات المتعاقبة لإحياء الرغبة لديّ. لكنّي أتدبّر أمري، بأفضل الممكن. أعيش بأقلّ قدرٍ ممكن، وأعتاد ذلك. ولا بأس بذلك.
هي المدينة، وهو العالم المحسوس: يمنحانك سببًا للعيش، ثمّ يجهدان لسلبه منك.
سأكتب، خلاصة القول:
سأُنسى على نحوٍ ما، وسأَنسى على نحوٍ ما،
وذلك ليس باللطيف،
إلّا أنّه يحدث،
يحدث يوميًّا، لأفضل العقول وأكثرها تذكّرًا.
لا بأس بذلك، لا بأس بذلك.
وفيما الديدان تنخر عينيّ، نحو عقلي الذي نسي،
سأتذكّر
أنّ ذلك قد حدث للجميع؛
حدث للقِطّة التي لاعبتُها في المقهى،
وللطاغية والبطل في كلّ قصّة،
لأسلافي البيولوجيين،
ولأسلافي الكتّاب،
ولمن أحببتُ وكرهت،
وفي ذلك شيءٌ من العزاء.




