محمد الدايخ ومحجبات شاطئ جبيل.. لماذا التواري وراء الاصبع؟

رين قزيالأحد 2026/08/02
Image-1785669516.Jpg
المخرج محمد الدايخ (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن الجدل ليعمّ مواقع التواصل حول السكن في مناطق مختلفة طائفياً، لولا أن المخرج محمد الدايخ، هو شخصية عامة، يتابعه عشرات الآلاف في مواقع التواصل، وأثار صدمة حين نشر مقطع فيديو يبرز الاعتراض على سكنه في منطقة "مونتي فيرديه" التي تسكنها أغلبية مسيحية في جبل لبنان.. 

المئات قبل محمد، رُفِضَ طلبهم بالسكن في تلك المناطق، وتسرب من تلك الوقائع القليل في مواقع التواصل خلال فترة الحرب.. وقبلهم، منذ سنوات، لم تعد بلدية الحدت تسمح ببيع ممتلكات في البلدة لغير المسيحيين.. ولحقت بها بلديات أخرى، ومناطق أخرى، مثل الأشرفية التي تمنع تنظيم عقود إيجار لغير المسيحيين، فيما أحجم مالكون عن تأجير غير المسيحيين في بعبدا وعين الرمانة وغيرها.. من دون قرار رسمي. 

 

النقاش حول الدايخ نفسه

مجرد بث فيديو الدائخ، ثار الناس ضده. بعضهم حمّله مسؤولية هذه النتيجة، والبعض الآخر اعتبر أن ما يقوم به هو افتراء. وذهب آخرون الى اعتبار ما جرى "جزءاً من مخاوف اللبنانيين جراء الحرب"، وذلك بعد حملة استهدافات أمنية نفذتها إسرائيل خلال السنوات الماضية، وطاولت مناطق مسيحية. 

قد تكون المخاوف مبررة. فثمة مسلمون، وبعضهم ينتمون للطائفة الشيعية، يخافون الاستهدافات، ويتقصون الغرباء ويتحققون من هوياتهم.. لكن الدايخ، المعروف بمعارضته لـ"حزب الله"، والشخصية العامة الذي يقدم محتوى أثار بيئة "حزب الله" عليه، يُفترض أنه لا يمكن أن يشكل خطراً على الحياة. 

أما التبريرات الأخرى، مثل تحميله مسؤولية ما جرى، فهي تنمّ عن نفاق سياسي. لم يستطع المدافعون عن وقائع لبنان ومتغيراته في السنوات الأخيرة، أن يجدوا ما يبرّر ما حدث، فذهبوا، زوراً، إلى تحميله المسؤولية!

تقسيم واقعي

والواقعة الأخيرة، تستدعي الاعتراف بأن البلد انقسم، طائفياً وثقافياً، ولم يعد حاضناً لمكوناته. أصلاً، لا يستوعب تلك المكونات وفق آلية عيش مشترك، ولا حتى تعايش مشترك. اللافت في هذه التحولات، أن البلد لا يستطيع أن يحضن المختلف، حتى من وجهة نظر نفعية، مثل استقطاب الشريحة الإنفاقية والقوة المالية تحت عناوين سياحية، بمعزل عن انتماءاتها الطائفية. هذا الواقع بدأ اللبنانيون اختباره منذ الأزمة الاقتصادية في العام 2019، وانفجر أخيراً على أوسع نطاق، بعد الحرب الإسرائيلية الموسعة في العام 2024. 

 

محجبة على شاطئ جبيل

يتعزز هذا السياق بمقطع فيديو نشرته منصة "وينيه الدولة"، تظهر منعاً لدخول محجبة الى الشاطئ العام في جبيل. تقول الفتاة للموظفة إنها لا تريد السباحة، وترغب بالمشي على شاطئ عام، لكن الموظفة تمنعها من الدخول، رغم أنها تنحدر من جبيل، وذلك لأنها لا ترتدي البيكيني. وحين تسألها عن أخرى لا ترتدي البيكيني، تقول الموظفة إن القرار صادر عن البلدية! 

هل وراء المنع نص قانوني؟ لا طبعاً.. وهل ارتياد الشاطئ العام محظور على مواطن ومسموح لآخر؟ بالتأكيد لا.. لكن الهوية الدينية التي يعبر عنها الحجاب، باتت محظورة في بعض المناطق كأمر واقع.. مثلما كانت الكحول محظورة (ولا تزال) في بعض المناطق في الشمال والجنوب، بأمر واقع، ومثلما تم حظر "البيكيني" عن شاطئ صيدا، بأمر واقع أيضاً.. ومثلما تتشدد بعض البلديات أو الأحزاب أو الأفراد في قرارات منع مكونات أخرى من السكن والاندماج، بالأمر الواقع. 

 

هويات دينية وثقافية

لبنان، عملياً، تم تقسيمه وفق الهوية الثقافية والدينية. لم يعد حاضناً لجميع المكونات، إلا بالنصوص التي يخرقها الأفراد، بالأمر الواقع. لم يعد التواري وراء الاصبع، يغطي عورات بلد كشفته الحرب والاصطفافات السياسية. وحدها البترون، استطاعت أن تتخطى التقسيم النفسي والاجتماعي، من مقاربة نفعية. من يتجول اليوم في البترون، يستطيع العثور على علامات تجارية في قطاع المطاعم، مألوفة بالنسبة لسكان بيروت والضاحية والجنوب والبقاع وطرابلس، مما يشد الزبائن الراغبين بالبحث عن "لحم حلال"، ويتجولون في المدينة وينفقون في قطاعات أخرى. 

قبل أربع سنوات، كان هناك نقاش بين فعاليات سياسية واقتصادية حول الخطاب المتشدد سياسياً وانعكاساته على الاستثمارات. ضُرب مثل حول قطاع بيوت الضيافة والمطاعم التي تعجّ بالرواد في الجنوب والشوف، بأسعار مضاعفة عن مثيلاتها في مناطق أخرى. كانت المقاربة اقتصادية بحتة، لكنها لم تنفع حتى في تليين المواقف لاستقطاب أكبر القوى الانفاقية في البلد الذي انتهى مقسماً، جغرافياً وطائفياً، ولا يجمع سكانه الى الخوف والثأر من أوهام الماضي. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث